د . ادموند غريب
الصحافة وحراسة الديمقراطية
(8/8/2009)
فاجأ الرئيس الأمريكي باراك أوباما إعلاميي البيت الأبيض عندما دخل إلى القاعة المخصصة للصحافيين في البيت الأبيض لمشاركتهم احتفالهم بعيد ميلاد الصحافية المخضرمة هيلين توماس التاسع والثمانين. وتقدم الرئيس باراك أوباما الذي احتفل بعيد ميلاده الثامن والأربعين في اليوم نفسه من هيلين توماس حاملا بيديه حلوى عليها شمعة مضاءة بهذه المناسبة, وقاد الحضور بغناء عيد ميلاد سعيد يا هيلين وطبع قبلة على خدها. وقال الرئيس فيما بعد ان هيلين ذكرت بان أمنياتها بهذه المناسبة هي تحقيق السلام في العالم وإنهاء التعصب اضافة إلى أمنية مشتركة بينهما وهي تمرير قانون عناية صحية فعال للشعب الأمريكي وتأتي هذه البادرة من الرئيس أوباما نحو توماس التي تعتبر من أهم الصحافيين الأمريكيين بشكل يختلف إلى حد كبير عن تعامل الإدارة السابقة معها وخاصة في الفترة ما بين 2003- 2006 بسبب الأسئلة الجريئة التي اعتبرها الرئيس بوش وكبار مساعديه مشاكسة.
وتعكس هذه اللفتة الاحترام الذي تحظي به هيلين توماس في أمريكا خاصة في الدوائر الإعلامية. وتعتبر توماس التي ولدت في ولاية كنتاكي لأبوين مهاجرين من مدينة طرابلس اللبنانية عميدة صحافيي البيت الأبيض, حيث بدأت تغطيتها لوكالة يونايتد برس في عهد الرئيس الأمريكي الراحل جون كينيدي في .1960
وكانت توماس أول امرأة في مجلس إدارة نادي الصحافة الوطني وأول امرأة ترأس رابطة مراسلي البيت الأبيض وكذلك كانت أول امرأة تنضم إلى نادي "غريد ايرون" الصحافي الشهير عام .1975 وكانت بدايات توماس مع وكالة اليونايتد برس عام 1947 ومنذ 1955 غطت عمل الوزارات المختلفة في واشنطن قبل انتقالها إلى البيت الأبيض. وكانت توماس أول من استخدم عبارة "شكرا سيدي الرئيس" كاشارة لانتهاء انعقاد المؤتمر الصحافي. واستقالت توماس من وكالة يونايتد برس بعد ان قامت شركة نيوز وورلد بشرائها لأنها لم توافق على توجهات مالكيها الجدد وانضمت إلى مجموعة صحف هيرست كمعلقة حول الشؤون الوطنية والبيت الأبيض. وشهدت فترة ولاية الرئيس بوش الاولى توترا في علاقة توماس في البيت الأبيض حيث تم إقصاؤها من المقاعد الأمامية إلى المقاعد الخلفية وحرمانها من إنهاء المؤتمر الصحافي للرئيس وذلك بسبب الأسئلة المحرجة التي طرحتها على الرئيس وكبار مساعديه في تلك الفترة. وتم تبرير هذه الاجراءات بحجة انها لم تعد مراسلة صحافية بل أصبحت معلقة وكاتبة رأي. وفي 21 آذار 2006 قام الرئيس بوش خلال مؤتمر صحافي بدعوة توماس ولأول مرة منذ 2003 لطرح سؤالها عليه.
وكان سؤالها حينذاك عن "قراره غزو العراق الذي أدى إلى وفاة آلاف العراقيين والامريكيين .... وان كل الأسباب التي قدمت لتبرير الغزو كانت غير صحيحة, وسؤالي لماذا قمت بشن الحرب? .... وسبق وان قلت انه لا السعي وراء النفط ولا إسرائيل كانا وراء الحرب.. فما هو إذا السبب?" وأجاب الرئيس بوش بتركيزه على ضرورة القيام بشن حرب على الإرهاب, وأضاف ان الرئيس العراقي الراحل منع المفتشين الدوليين من القيام بإتمام مهمتهم ولم يقدم لهم المعلومات المطلوبة. وتعرضت توماس لانتقادات حادة من زملائها بسبب سؤالها. لكن توماس استمرت في توجيه أسئلة صعبة تصب في عمق قضايا الساعة آنذاك كغزو العراق والسياسات الأمريكية في المنطقة والعالم. وتؤمن توماس بان الصحافة لديها مهمة شبة مقدسة أعطاها الآباء المؤسسون للجمهورية الأمريكية للصحافيين وهي نقل المعلومات الصحيحة والنزيهة إلى الرأي العام ولعب دور الرقيب على السلطة. وترى انه عندما لا يقوم الصحافيون بهذه المهمة فان النظام الديمقراطي ككل يدفع الثمن. ولا يمكن ان تكون هناك ديمقراطية حقيقية من دون اطلاع المواطنين على حقيقة مجريات الأمور.
وتساءلت توماس في كتابها الأخير الذي نشر بعنوان "كلاب حراسة الديمقراطية?" حول دور الصحافيين في واشنطن ومدى قيامهم بمهمتهم خلال السنوات الأخيرة. ودعت الصحافيين ورؤساء التحرير إلى توجيه الأسئلة الصعبة على كبار المسؤولين والتعامل مع السلطة بمهنية ونزاهة والى لعب دور الرقيب على المسؤولين.
وتشكو توماس من ان التغييرات التقنية لن تؤدي بالضرورة إلى تحسن في التغطية وان اندماج وسائل الإعلام وقيام عدد محدود من الشركات غير إعلامية لمؤسسات إعلامية كبيرة ومتعددة أمثال شركة جنرال اليكتريك التي اشترت شبكة ان بي وسي وفيوكوم التي اشترت شبكة سي بي اس وديزني التي اشترت شبكة ايه بي سي أدت إلى إضعاف دور وسائل الإعلام التي أصبحت تقدم أخبارا ترفيهية ناعمة في فترة الأخبار الرئيسية بدلا من الأخبار الرئيسية. وتتساءل توماس في كتابها إلى أي مدى ستعطي هذه الشركات أولوية لحرية الصحافة ان أثرت هذه على قدرتهم بالتواصل مع كبار المسؤولين في البيت الأبيض? أو إذا كانوا سيتعرضون لخسارة معلنين بسبب تبنيهم لآراء قد تعتبر استفزازية أو معادية لمصالح المعلنين. وتعتقد توماس بان الصحافة فشلت في لعب دورها التقليدي خاصة بعد إحداث 11 سبتمبر وقبل وبعد غزو العراق.
وترى ان الصحافة فشلت في حماية الحفاظ على حق الشعب بمعرفة مجريات الأمور وان "ورقة التخويف" التي لعبتها إدارة بوش وغياب الشجاعة لدى بعض الإعلاميين أديا إلى تغطية صحافية مضللة للرأي العام. وانتقدت توماس زملاءها لعدم توجيههم للأسئلة المطلوبة لأنهم رغبوا في تفادي المواجهة مع الإدارة أو إثارة غضبها. وكتبت انه "لو سلطت الصحافة الأضواء على سياسة إدارة بوش نحو العراق لتفادت العراق وأمريكا الكثير من الخسائر والمعاناة البشرية والمادية". وأتمنى لهيلين التي تربطنا بها صداقة عائلية قديمة واهتمام مشترك بدور وتغطية الإعلام الأمريكي في السياسية الخارجية, ان يستمر مشوارها بهذا الزخم وتبقى منارة للمهنية الإعلامية.
* استاذ الدراسات الدولية في الجامعة الامريكية بواشنطن
أرشيف الكاتب |