ناهض حتر
عريقات : الحياة مفاوضات ....
(20/8/2008)
" الحياة مفاوضات" هذا هو عنوان الكتاب قريب الصدور لـ " كبير المفاوضين الفلسطينيين", صائب عريقات. ولعل هذا العنوان يلخص, بالفعل, حياة عريقات . فهو ما يزال يشغل وظيفته تلك منذ سنة 1991 من دون انقطاع, حتى احتل فيها المنصب الأول, ومن الواضح أنه مصمم على الاحتفاظ بهذا المنصب ما بقي له من عمر.
و"الحياة مفاوضات" .. وصف ينطبق على القضية الفلسطينية بين أيدي الأنظمة العربية و منها النظام الفلسطيني الذي هو أطولها باعا وصبرا وتفاؤلا ولذلك, فإن عريقات, من موقع الإيمان بالمفاوضات كطريق وحيد لتحصيل الحقوق الوطنية ولو بعد قرن أو قرنين, لا يريد أن يترك الحبل على الغارب, وإنما يريد, منذ الآن, تأسيس تخصص جامعي يخرج مفاوضين محترفين للأجيال اللاحقة التي ستفاوض " الإسرائيليين" على إقامة الدولة الفلسطينية الموعودة في زمن ما ليس مقدرا في المدى المنظور. لكن المسؤولية الوطنية, حسب عريقات, تقتضي تحضير الكوادر المؤهلة للمفاوضات الطويلة الطويلة.
" الإسرائيليون" لن يفيدوا, لسوء حظهم, من التخصص الجامعي المقترح, لأن التفاوض ليس مهنة عند المفاوض " الإسرائيلي" الذي يتبدل حسب تبدل الحكومات والمسؤوليات, مما يحرمه من التخصص, بل انه, أثناء أدائه مهمات التفاوض, لا يكون متفرغا لها مثل عريقات, بل ينشغل, معها, ببناء المستوطنات وشق الطرق الالتفافية وبناء الجدران العازلة ومحاصرة الشعب الفلسطيني في مواصلاته وحركته ومأكله ومشربه, وقتل ومطاردة واعتقال أبنائه ودفعه إلى الهجرة. فهذه العملية مستقلة عن المفاوضات التي هي علم يتقنه عريقات ومساعدوه بالنظر إلى التخصص والتفرغ.
وكتاب عريقات الموعود, لا يقع حسب تصريحاته, في باب المذكرات أو السرد, وإنما هو كتاب " أكاديمي" مخصص للتدريس الجامعي.
الاتحاد الأوروبي, الذي بعكس الأمريكيين ولكن برضاهم, يتفهم الاحتياجات الفلسطينية إلى تأهيل الكوادر, سوف يدعم, على الأرجح, مشروع عريقات الأكاديمي. بل ربما يتطور المشروع من تخصص جامعي إلى جامعة كاملة تؤهل المفاوضين على كل الفنون والفروع.
انني أنتظر صدور كتاب عريقات بفارغ الصبر, ذلك أنني أريد أن أعرف كيف حقق المفاوضون الفلسطينيون, هذه الانجازات الضخمة غير المسبوقة خلال السبعة عشر عاما الماضية من المفاوضات الشاقة بحيث حصروا الخسائر فقط في مصادرة 58 بالمئة من أراضي الضفة, وجعلوا مدة الوصول من رام الله إلى نابلس تنقضي فقط بين ست إلى ثماني ساعات كحد اقصى, وحصروا المعتقلين ببضعة آلاف لا غير, والشهداء والجرحى ببضعة مئات سنويا ما عدا السنوات التي لا يكون فيها مفاوضات.ولعل أبرز انجاز سوف نطلع على كواليس إجبار " الإسرائيليين " عليه هو عدم تمكينهم من القيام بالطرد القسري للفلسطينيين من أراضيهم كما حدث في العام 1948 و1967 حينما كان القرار الفلسطيني غير مستقل, والاكتفاء بالتهجير الناعم بمعدل 60 إلى 100 ألف مواطن سنويا. ومع هذا الانجاز, فإن المفاوض الفلسطيني لم يتخل عن حق عودة اللاجئين إلى كانتونات الضفة. صحيح أن هذا مؤجل حاليا, لكن مفاوضي الأجيال التالية سوف لن يتراجعوا عنه أبدا.
غير أنني أستطيع التأكيد منذ الآن أن كتاب عريقات, لن يشتمل على التطرق إلى مناقشة العديد من الأسئلة المنهجية المؤجلة, ومنها:
- هل ينبغي أن تتوصل المفاوضات, أية مفاوضات, الى نتائج أم لا?
- ما هي المدة اللازمة للتوصل إلى قناعة استراتيجية بأن المفاوضات هي بلا جدوى?
- ومتى تصبح المفاوضات, بحد ذاتها, ضارة بمصالح المفاوض, بحيث يكون التوقف عنها هو البديل الأفضل?
- هل يجوز للمفاوض, اثناء ذلك, أن يحصل من " الطرف الآخر", لنفسه وعائلته, فرديا بما يطالب به, رسميا, للجميع مثل بطاقات الـ (في آي بي) لضمان تجاوز الحواجز أو السماح بالتحويلات المالية الحرة, ورخص البناء, ورخص البزنس, وتجاوز الجمارك إلخ?.
أرشيف الكاتب |