ناهض حتر
اسمعوا صوت اليسار (1)
5/8/2008
من حق اليسار - أعني اليسار الوطني, يسار الدولة الأردنية - أن يتم الإصغاء إليه بعمق وانتباه, فربما يكون لديه الحل للأزمة الاقتصادية - الاجتماعية الراهنة المتفاقمة.
وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين فشلت. المدرسة الليبرالية الجديدة هي التي أودت بالبلاد إلى الأزمة, والمدرسة البيرقراطية التقليدية ليس لديها بديل شامل. وهو ما أضعفها, أصلاً, في مواجهة الليبراليين الجدد.
ومع كل احترامنا للحركة الاسلاميّة, ودورها في القضايا الوطنية والقومية, فانها تفتقر إلى رؤية اقتصادية - اجتماعية تتجاوز العمل الخيري. ومع تقديرنا للقوميين - بمدارسهم - فإن هذا الشأن لا يحظى باهتمامهم ... أما المدارس السياسيّة النابعة من التجربة النضالية الفلسطينية, فهي مشغولة - عن حقّ - بما يدور غربيّ النهر.
في النهاية هناك مدرستان سياسيتان رئيسيتان فيما يتصل بالشأن الاقتصادي - الاجتماعي, المدرسة النيوليبرالية والمدرسة اليسارية. والمدرسة الأولى ذات برنامج أصبح معروفاً للعامّة قبل الخاصّة, إذ ان الأغلبية كلها تتضوّر من ورائه. وهو يقوم على الآتي:
الخصخصة وحرية السوق المطلقة وخفض تمويل الدعم الاجتماعي, وتقديم التسهيلات والإعفاءات والأولوية " للاستثمارات", خصوصاً الأجنبية. ولا تغيب الأطروحة الاجتماعية عن الليبراليين الجدد, ولكن من ثلاث زوايا أولها غيبي. ويقوم على الاعتقاد بأن السوق تضبط نفسها بنفسها, بينما تجلب الاستثمارات فرص العمل والنمو الذي من شأنه تجاوز التخلف والفقر. .وثانيها سياسيّ ويقوم على المعالجة المؤقتة للإنهيارات الاجتماعية المنذرة بالخطر, وثالثها خيري.
المدرسة اليسارية الحديثة تؤيد نوعا حديثا ديمقراطيا وتفاعليا من القطاع العام الاقتصادي يركز على القطاعات الإستراتيجية وتلك الضرورية لتطوير الصناعة المحلية وصيانة الأمن الغذائي . وهي ترفض الخصخصة من حيث المبدأ فقط بالنسبة للمرافق والخدمات العامة - التعليم والطبابة الخ - والمناجم. وهي ترى ان الخصخصة ليست غاية وانما وسيلة لمعالجة أوضاع معينة تنبغي دراستها حالةً حالة.غير ان المدرسة اليسارية ترفض حرية السوق المطلقة, خصوصاً في بلد من العالم الثالث ليست لديه قدرات تنافسية ويعاني من مشكلة ضعف الانتاجية. فالنتيجة المباشرة لرفع كل القيود الجمركية والتدخلية عن السوق المحلية هي عولمته من طرف واحد, أي انكشافه الكامل امام مؤثرات السوق العالمية من دون أية حصانة. وينجم عن ذلك أن المواطن يشتري السلع والخدمات بالأسعار العالمية, بينما يحصل على دخله بالمعايير المحلية. وهذا تناقض مميت. .ولذلك, فلا بد من وضع قيود على السوق المحلية بالنسبة لسلّة من السلع والخدمات الأساسية لمعيشة الأغلبية.
لا يرفض اليسار الاستثمارات الاجنبية من حيث المبدأ. بالعكس انه يطمح باستجلابها على أن تكون منتجة لأصول جديدة في الصناعة والزراعة والخدمات, وليست مجرد امتلاك لأصول قائمة كما هو الحال في أسلوب الخصخصة الليبرالية. بل إن تدفق رأس المال الأجنبي دون انشاء أصول إنتاجية جديدة يساهم في زيادة التضخم وانكشاف الاقتصاد الوطني ولا يخلق فرص عمل جديدة أو فرصاً لتدريب المهارات والكادر المحلي ويفاقم الفجوة بين الأثرياء والفقراء والفساد والكسل. وهو ما ينطبق أيضاً على "الاستثمار" في البورصة.
الاستثمارات الاجنبية لها دور ايجابي عندما تكون هناك قوى انتاجية وطنية فاعلةً متعاضدة داخلياً وتنافسية خارجياً. (كالصين مثلاً« وبغير ذلك فان الاستثمارات الأجنبية سوف تتركز في القطاع العقاري. وهو ما يزيد التضخم, ويزيد عجز الميزان التجاري من خلال استيراد مواد البناء والأثاث, ولا يولد فرص عمل دائمة ولا يؤدي إلى انتاج سلع أو خدمات.
منظور المدرسة اليسارية للقضية الاجتماعية, ينطلق من أولوية مصالح المجتمع. وهذا لا يتحقق بأعمال الخير الكبيرة أو الصغيرة, بل من خلال عملية تنموية شاملة, تمنح الفرص للفئات والأفراد لتطوير قدراتهم وتحسين مستواهم المعيشي وادماجهم في العملية الاقتصادية كفاعلين أساسيين من خلال فرص العمل المجزية والاستثمارات الصغيرة والمتوسطة.
تهتم المدرسة اليسارية بالنمو, ولكنها, من زاوية اقتصادية قبل أن تكون اخلاقية - تهتم بالتوزيع العادل للنمو على المستوى الوطني. فمن شأن ذلك فقط أن يحرّك الاقتصاد الوطني كلّه, وليس قطاعات منه.0
أرشيف الكاتب |