ناهض حتر
أوباما ... التغيير
(23/7/2008)
تترسخ, في الفكر السياسي العربي, مقولات تكون صحيحة في مرحلة ما, ثم تتجمد وتصبح كليشيه لكل زمان. ومنها ان الانتخابات الرئاسية الامريكية, بالنسبة لليمين العربي, هي كل شيء وبالنسبة لليسار العربي, هي لا شيء.
في الموسم الانتخابي الامريكي الحالي, ارى ان اليمين العربي على حق, لكنه يقف في الجانب الخطأ من الصراع بين الديمقراطي من يسار الوسط, باراك اوباما, وبين الجمهوري من اقصى اليمين, جون ماكين, هو صراع جذري, وستنشأ عنه, في كل الاحوال, تغييرات امريكية, وبالتالي عالمية.
لا يمكن ان نحكم على اوباما من زاوية تأييده المبدئي ل¯ »اسرائيل«. فهذا تقليد سياسي امريكي يشمل الجميع. ولكن الاتجاه الى الانسحاب من العراق, وطي ملف الحرب في هذا البلد الجريح, سيؤدي الى تغييرات عميقة لصالح الشعب الفلسطيني. كما ان الاتجاه الى التفاهم الاستراتيجي مع سورية من شأنه ان يطوي ملفات التوتر الاقليمي الراهنة, ويسمح بتجاوز الفيتو الامريكي على المصالحة الفلسطينية - الفلسطينية. وربما يؤدي الى تغييرات موضوعية في الاصطفافات السياسية الاقليمية تسمح بتحسين فرص التوصل الى افق جديد للتسويات. واخيرا, فان اوساط اوباما لم تبلور بعد رؤية فيما يتصل بالعملية السلمية على المسار الفلسطيني, على ان اهم ما يعنينا, هنا, ان حملة اوباما, كما علمنا من اعلاميين رافقوه في زيارته الى عمان لا يوجد على اجندتها, حتى للنقاش, مسألة الخيار الاردني في فلسطين. وهي الفكرة التي ناقشها برلمانيون واكاديميون واعلاميون في حملة ماكين.
اولوية اوباما هي اقفال ملف الحرب العراقية. فهذا الملف داخلي بالنسبة للولايات المتحدة التي تدفع طبقاتها الشعبية والوسطى ثمن تلك الحرب, في صورة قتلى وجرحى ومرضى, وكذلك - وهو الاهم من حيث مدى التأثير - في صورة خلل في الميزانية التي تموّل الحرب على حساب التقدمات الاجتماعية, بل على حساب القطاعات غير النفطية والتسليحية في الاقتصاد الامريكي, فصناعتا النفط والسلاح هما من يفيد, فقط, من حرب هدأت بتسويات مصطنعة مؤقتة, لكنها سرعان ما ستتقد من جديد, وتدفع واشنطن الى المزيد من التورط, بحيث ان رئيسا يسعى الى تغيير في الولايات المتحدة, على اي مستوى, لا يمكنه ان يبدأ عهده من دون البدء بالانسحاب من العراق, وهو الاجراء الوحيد الممكن من اجل التوصل الى تسوية جدية بعيدة المدى في ذلك البلد.
التأييد الشعبي في امريكا واوروبا لاوباما, ليس مصدره فقط الرغبة في الخلاص من ولاية ثالثة للمحافظين الجدد باسم ماكين, او مجرد الرغبة المشروعة بهدنة عالمية من السلام, او حتى الخلاص من الامريكي البشع جورج بوش, ولكن, ايضا واساسا, بسبب حاجة الاقتصاد العالمي والمجتمعات الى خفض اسعار النفط. ومن المأمول ان يحدث ذلك, جراء الانسحاب من العراق بما يسمح باستثمارات واسعة في هذا البلد تكفل تعزيز عرض النفط في السوق العالمية, كما ان طي ملف الصراع - والحرب - مع ايران وفي الشرق الاوسط عامة, وتحسين العلاقات مع فنزويلا وروسيا ووقف المضاربات, كلها عوامل ستجعل سوق النفط اكثر انضباطا.
الاساس في ما يتوقعه العالم من برنامج اوباما في السياسة الخارجية, هو برنامجه في السياسة الداخلية, وهو البرنامج الذي نقله من سياسي ثانوي الى مرشح شعبي قوي. ومضمون هذه السياسات يرتكز على خفض الضرائب على الطبقات الوسطى وزيادتها الى الطبقات المثرية, وتعزيز برامج الخدمات الاجتماعية والصحية ومكافحة البطالة وتحسين البنى التحتية المتداعية في معظم المدن والاحياء الشعبية الامريكية.
اوباما .. هو عنوان التغيير الامريكي المطلوب في الولايات المتحدة لتجاوز سياسات المحافظين الجدد. ولكن نجاحه سوف يدعم تغييرات اكثر جذرية في اوروبا والعالم.
أرشيف الكاتب |