ناهض حتر
بيروت يا بيروت "3"
رئيس الجمهورية اللبنانية محدود الصلاحيات أصلا. وقد انتزع اتفاق الطائف منه المزيد من الصلاحيات, وحوّلها إلى مجلس الوزراء. من الصعب, إذن, أن يكون الرئيس اللبناني زعيما أو قائدا. بل من الصعب أن يتم السماح للزعيم او القائد باحتلال موقع الرئاسة. وكان هذا التواطؤ الفعلي هو السبب الرئيسي وراء منع وصول الجنرال ميشيل عون إلى قصر بعبدا.
وهي غصة بقيت في قلوب مناصري الجنرال وقتا قصيرا. فالجنرال ميشيل سليمان بدأ يحتل القلوب.يقول مناصر شيعي للجنرال: " أنا مع عون .. لكن كرئيس ربما كان سليمان اختيارا موفقا فعلا ".
في خطابه الواضح المتوازن في الاحتفال الرسمي بعودة الأسرى, استقطب سليمان, قلوب الكثيرين على اختلاف مواقفهم وأديانهم ومذاهبهم. وربما يكون هو السياسي اللبناني الوحيد الآن الذي له أنصار في كل الطوائف.
حدد سليمان, الثوابت الوطنية من تحرير مزارع شبعا وعودة اللاجئين والاستراتيجية الدفاعية ضد " إسرائيل" بدقة حتى أن حسن نصر الله لم يجد ما يضيفه على الخطاب الرئاسي, متبنيا طروحاته بالكامل. ومنها التأكيد على العمل من أجل معرفة مصير المفقودين والسجناء في سورية.
الرئيس سليمان الساعي إلى تحسين العلاقات مع دمشق لم يتجاهل هذا الملف الذي يقلق العديد من الأسر اللبنانية. وهو ما أعطاه هيبة الرجل المستقل. وتقول مصادر إعلامية مقربة من المعارضة اللبنانية ل¯ " العرب اليوم " إنه من المنتظر أن يطرح الحليفان نصر الله وعون, قريبا على السوريين, ملف المفقودين والمعتقلين.وستكون دمشق مضطرة لإجابة طلب حليفيها المضطرين بدورهما إلى إثارة هذه القضية, خصوصا بعدما تم اغلاق ملف الأسرى اللبنانيين في السجون " الإسرائيلية".
كذلك, فإن دعوة الرئيس لغلق ملف المهجرين سيشكل ضغطا على وليد جنبلاط للتراجع, والسماح للمسيحيين المهجرين من الجبل, العودة إلى قراهم ومنازلهم.
سليمان هو, أيضا, جنرال. وقف, عمليا وسياسيا, مع المقاومة في كل أطوارها.لكنه في الوقت نفسه, لم يستخدم الجيش لغايات سياسية.وقدّم الحماية ل¯ "ثورة الأرز" مثلما حمى مظاهرات المعارضة. وهو يرتكز إلى "حزب الجيش" القوي والمختلط طائفيا في لبنان. ثم انه جاء إلى الرئاسة جراء توافق وطني, وكمنقذ ,مدعوما بزخم عربي ودولي. اضافة إلى ذلك كله, فهو يحظى الآن بقاعدة تأييد شعبية واسعة.ويمكن للرئيس أن يستخدم كل هذه العوامل للتحوّل إلى قائد للبلد على نحو ما كانه الرئيس فؤاد شهاب, المجدّد الوحيد للدولة اللبنانية بين رؤساء لبنان.
وإذا برهن لبنان أن قوته ليست في ضعفه بل في مقاومته, فإن ضعف الرئيس في المعادلات الطائفية والسياسية الداخلية, هو مصدر قوة له.ويكفي, في ظروف لبنان الحالية, أن يلوّح الرئيس بالاستقالة لكي تتعاطى الأطراف مع توجهاته بجدية كاملة, مثلما حدث عندما هدد باعلان موقف سياسي إذا لم تتشكل الحكومة في ضوء موعد نهائي. وقد تشكلت الحكومة, بالفعل, قبل موعد الإنذار.
الرئيس سليمان, في رأيي, يستطيع, بقدرما يفلت من الاستقطاب السياسي ومن السياسة اليومية, أن يشكّل تيارا قويا يدعم الرئاسة, ويسمح لها بالبدء في تطبيق برنامج إصلاحي عميق.
لكن أسوأ ما يفعله الرئيس سليمان هو الوقوع في مطب منافسة الجنرال عون سياسيا وانتخابيا. فهذه المنافسة, عدا عن كونها فاشلة مسبقا, فهي ستضع رئيس الجمهورية اللبنانية, مرة اخرى, لا في موقع تجربة شهابية لاستقطاب كل اللبنانيين, بل في موقع المنافس الفرعي داخل الطائفة المسيحية.
سليمان ليس ضروريا فقط لاصلاح وتعزيز العلاقات اللبنانية ¯ السورية, بل وأيضا, لمحاولة جمع صفوق نخبة وطنية خارج الاصطفافات الصراعية لقيادة البلاد في المرحلة الحساسة المقبلة.
أرشيف الكاتب |