ناهض حتر
نادي الاثرياء -2-
(17/7/2008)
تشير دراسة سيف والطباع »2008« الى ثلاث فئات معتبرة »الاغنى« في الاردن, هي: اولا, فئة الـ 2 بالمئة الذين يملكون 13 بالمئة من الدخل, وثانيا, فئة الـ 10 بالمئة الذين يملكون 30 بالمئة من الدخل, وثالثا, فئة الـ 30 بالمئة الذين يملكون 60 بالمئة من الدخل. ولكننا نستطيع, من خلال مؤشرات الدراسة نفسها كما قلنا امس, ان نؤكد ان عضوية تلك الفئة الثالثة في نادي الاثرياء هي عضوية مؤقتة, ناجمة عن بيع الاصول العقارية, لا عن الفعالية في النمط الاستثماري الجديد القائم على الشراكة بين المستثمرين الاجانب والكمبرادور المحلي. وبالنظر الى الاتجاه التضخمي المتصاعد, محليا ودوليا, فان الضغوط ستشتد على الشرائح الدنيا من الاثرياء المؤقتين بحيث تلتهم ثرواتهم غير المتجددة.
دينامية نادي الاثرياء تتجه الى حصر عضويته في اضيق فئة ممكنة, الا ان النادي سوف يظل يشهد, بالطبع, صراعات داخلية بين الداخلين والمطرودين, وكذلك, ستظل الاوهام تعشش في صدور العديدين الذين يأملون بالصعود. ونحن نسميها اوهاما, لان آليات الصعود الاجتماعي في بلدنا اصبحت من الماضي.
اشتهر الاردن, تقليديا, بنظام تعليم عام جيد المستوى ومفتوح طبقيا. وفي وقت ما كان الطلبة الاقل ذكاء وموهبة هم الذين يذهبون الى المدارس الخاصة, في حين كان التعليم الحكومي يفخر بمدارس رفيعة السمعة مثل »كلية الملك حسين« للذكور و »مدرسة زين الشرف« للبنات. وكانت الجامعة الاردنية, شبه المجانية, معترفا بخريجيها ككوادر مؤهلة. والى ذلك, وفوقه, كان الالاف من ابناء الاسر الكادحة يستطيعون الحصول على دراسة جامعية مجانية ومدعومة من قبل الحكومة والجيش والاحزاب, في الجامعات الامريكية والاوروبية والعربية. لم يكن التعليم الممتاز, استثمارا عائليا ضخما, كما هو الآن, بل فرصة متاحة للجميع. وبينما يتكلف اعداد طبيب مختص الان اكثر من ربع مليون دينار, لا تقدر عليها الا الاسر المثرية, كان المئات من ابناء الحراثين يصبحون اطباء وضباطا كبارا من دون تكلفة او عناء الا عناء الاجتهاد. ما يزال التعليم العالي الممتاز, بالطبع, يكافأ, ولو بصورة اقل من السابق, لكنه لم يعد متاحا الا لنادي الاثرياء.
عضوية النادي السياسي كانت تشكل, ايضا, الية للصعود الاجتماعي, في ظل نظام يقوم على بيروقراطية قوية متنامية الدور والنفوذ, ومدعومة برواتب جيدة بدينار قوي, وكان هذا النظام البيروقراطي يحتاج الى كوادر متعلمة, وخصوصا مسيسة من المثقفين الموالين او, وهذا افضل, من المثقفين المدربين لدى المعارضة. وقد تقلصت الفرص في هذا المجال حتى تكاد تنعدم, بالنظر الى تراجع مكانة ودور القطاع العام, ومنح امتيازاته الى كوادر من خارجه.
الآلية الثالثة للصعود الاجتماعي في الاردن, تمثلت, ايضا, في الدعم السياسي الذي تقدمه العشائر لابنائها, خصوصا المتعلمين والمسيسين. لكن العشائر الآن هي التي تحتاج الى دعم اجتماعي بالمعنى المحدد للكلمة.
وحتى نهاية التسعينيات, كان الشباب من المهنيين ورجال الاعمال الصغار, قادرين على تطوير اعمالهم الخاصة في سوق تنافسي مفتوح في مجالات عديدة لرؤوس الاموال الصغيرة. وقد شهدت هذه المجالات, في العقد الاخير, اما الاندحار تحت تأثير المنافسة الاجنبية بلا حماية, واما الخروج من السوق امام الاحتكارات الاجنبية ووكلائها المحليين.
الاغتراب, خصوصا في دول الخليج, كانت, في السابق, آلية مضمونة للصعود الاجتماعي, ولكن. بالنظر على لبرلة الاقتصادات الخليجية, والتضخم في المغتربات والبلاد, لم يعد العمل في الخليج, بالنسبة للاغلبية, مجالا لتكوين الثروات, بل, احيانا, لمجرد اعالة الاسرة الصغيرة, ومساعدة الاهل في الاردن على التقليل من شظف العيش.
الآلية الوحيدة الباقية للصعود الاجتماعي هي بيع الاصول العقارية. وهي, رغم ما تتيحه من اموال سريعة, فهي الية ذات طابع مؤقت, ومن شأنها, فقط, ان تفاقم التضخم, وتحرم الاسر من ممتلكاتها.
أرشيف الكاتب |