تحديات كبيرة أمام المحكمة الدستورية

شارك

بعد أن تأخرنا في إنشائها .

ثبت تاريخيا أن المحكمة الدستورية أفضل ضمانة لحماية حقوق المواطنين والحريات العامة .

 مع إنشاء المحكمة الدستورية يكون الأردن قد خطا خطوة كبيرة في ارساء دولة حكم القانون أو سيادة القانون.

وتختص المحاكم الدستورية عموما بفحص دستورية القوانين (القانون هنا معناه الواسع الذي يشمل كل قاعدة قانونية عامة ومجردة كالأنظمة والتعليمات) إما برقابة سابقة كما في فرنسا وبرقابة سابقة جزئية في احيان معينة الجزائر ولبنان والبحرين إضافة إلى الرقابة اللاحقة، والتي تأتي عادة على نوعين: رقابة إلغاء كامل للنص التشريعي المخالف للدستور أو رقابة امتناع عن تطبيق نص تشريعي مخالف للدستور.

وهناك دول فيها محكمة دستورية منفصلة وأخرى فيها محاكم عليا من اختصاصها فحص دستورية التشريعات ومثالها المحكمة العليا في الولايات المتحدة، وهي أقدم محكمة دستورية في العالم لأنها كانت أول محكمة في العالم تصدت لإبطال قانون أقره الكونغرس (السلطة التشريعية) في قضية "ماربوري ضد ماديسون"، رغم أنها ليست محكمة دستورية منفصلة.

قد لا يعرف كثيرون أن أول دستور مكتوب في العالم كان دستور الولايات المتحدة الصادر عام 1778 وبعد قيام الثورة الفرنسية بعامين صدر دستورها المكتوب عام 1791 ثم ظهر دستور بلجيكا عام 1841 ثم الدستور الإيطالي عام 1848 فدستور مصر لعام 1882 ثم النظام الأساسي عام 1913 ثم أول دستور متكامل عام 1923 وهو الذي أخذ عنه (صورة طبق الأصل) الدستور الأردني لعام 1952

وقد انشأت النمسا أول محكمة دستورية منفصلة في العالم، وذلك عام 1920 على الرغم من تعليق عملها مع الدستور الذي أنشأها خلال الأعوام 1934-1945 أيام التوسع الهتلري.

في اوروبا يوجد حوالي 40 محكمة دستورية أو محكمة عليا ذات اختصاص بالنظر في دستورية التشريعات.

إن الرقابة على الدستورية تعني ضمان أن لا تقر السلطة التشريعية أو التنفيذية (في حال القوانين المؤقتة أو الأنظمة التنفيذية) تشريعات تخالف الدستور. وهذه الرقابة كما ثبت تاريخيا أفضل الضمانات لحماية حقوق المواطنين والحريات العامة، إضافة إلى انها تمنع اي سلطة من التعدي على حدود غيرها من السلطات.

يُلاحظ أن الدستور الأردني خص المحكمة الدستورية بفصل خاص (الخامس) ووضع ترتيبة قبل الفصل السابع الذي يتناول السلطة القضائية. بمعنى أن المحكمة ليست جزءاً من السلطة القضائية.

كما لا يعني أنه قبل إنشاء المحكمة الدستورية في الأردن لم تكن في الأردن رقابة على الدستورية، ذلك أن مثل هذه الرقابة كانت موجودة لكن متشتتة بين المجلس العالي (لتفسير الدستور) والمحاكم بمختلف انواعها والديوان الخاص بتفسير القوانين. كما كان إنشاء محكمة العدل العليا نقطة تحول أخرى حيث تصدت للإمتناع عن تطبيق تشريعات مخالفة لهرمية القاعدة القانونية. كما كانت محكمة التمييز (بصفتها عدل عليا قبل إقرار قانون خاص بإنشائها كمحكمة منفصلة عام 1989).

ومن القرارات المميزة للمجلس العالي (لتفسير الدستور) ما اتخذه عام 1956 بأن "الارادة الملكية بحل مجلس النواب لا تكون مستوفية شروطها الدستورية الا اذا وقعها الوزير او الوزراء المختصون علاوة على توقيع رئيس الوزارء". وكان وزير الداخلية آنذاك المرحوم فلاح المدادحة قد رفض التوقيع على قرار حل مجلس النواب.

كما أصدر المجلس العالي قرارا تضمن عدم دستورية قانون الخدمة المدنية رقم 48 لسنة 1965 لأن الأمور الواردة فيه تدخل في نطاق المسائل الواردة في المادة 120 من الدستور التي يتم تنظيمها بنظام تنفيذي وليس بقانون ومن ذلك الحين أصبح يتم تنظيم شؤون الموظفين في الدولة بنظام وليس بقانون.

ومن الشواهد المضيئة في تاريخ محكمة التمييز (بصفتها عدل عليا) ما قررته بعدم دستورية نص المادة 20 من تعليمات الإدارة العرفية (التي اعلنتها الحكومة الأردنية في الخامس من حزيرات لدى نشوب حرب الأيام الستة عام 1967).

وكانت المادة 20 من تعليمات الإدارة العرفية تمنع المحكمة من النظر في الطعون في كافة القرارات الإدارية الصادرة استنادا إلى التعليمات، فقررت المحكمة آنذاك (قرار هيئة عامة رقم 44 لسنة 1967) أن النص لا يُعمل به لأنه غير دستوري إلا عندما تكون غاية القرار الإداري الدفاع عن المملكة. ومع أن التعليمات تلك صدرت مع بدء حرب حزيران وكان يُقصد بها الدفاع عن المملك ةإلا أنه تمت إساءة استعمال تلك التعليمات لسنوات عديدة للفتك بقوى المعارضة فكان يتم أخذ الناس بالشبهات وفصل الموظفين من الإدارات الحكومية لمجرد الشك بهم بناء على تقارير مغفلة من الاسم وكانت يدّعي كاتبها أنهه "مواطن صالح" كما كانت شائعة تلك الأيام. وتم على اساس تلك التعليمات فصل مجموعة من اساتذة الجامعتين الأردنية واليرموك. كما تم منع الآلاف من السفر والعنل حتى في القطاع الخاص وتعطيل الصحف ومنع الصحفيين من الكتابة وحل المنظمات التمثيلية للمواطني (كالاتحاد النسائي ونادي اسرة القلم بالزرقاء)، وحوّلت تلك التعليمات البلاد إلى دولة بوليسة بعد أن تم الاعتداء على مبدأ المشروعية وغلّ يد القضاء.

كما امتنعت مختلف المحاكم النظامية في الأردن بمختلف درجاتها عن تطبيق تشريعات مخالفة للدستور، لكن تجدر الإشارة إلى أن هذه القرارات ليست ملزِمة للمحكمة التي أصدرت القرار في قضية أخرى وليست ملزِمة لغيرها سواء من درجة أدنى أو نفس الدرجة كما هو الحال في نظام السوابق القضائية المعمول به في بريطانيا والولايات المتحدة مثلا.

أما الديوان الخاص بتفسير القوانين فقد تصدى ايضا لعدم الدستورية ومثاله ما قرره أن ما ورد في المادتين 31/32 و 33/4 من نظام الهيئة التدريسية في الجامعة الأردنية رقم 2 لسنة 1972 مخالف للدستور لصدوره عن مجلس عمداء الجامعة وليس عن مجلس الوزراء بمقتضى المادة 120 من الدستور وقال الديوان في قراره أنه ليس :"للشخصية المعنوية صلاحية إصدار قرارات تنظيمية وإدارية لأن هذه الصلاحية مقصورة على إصدار القرارات ولا تتناول التشريع عن طريق إصدار أنظمة".
تحديات أمام المحكمة

وفي التشريعات العقابية يجب مراعاة مبدأ التناسب والضرورة بين الجريمة والعقاب ذلك أن سلطة المشرع ليست مطلقة بفرض سلاح العقاب الذي يؤدي إلى نشوء "تضخم عقابي" لا يستند إلى الضرورة، ذلك أن الفرد معرّض للوقوع في الخطأ ولا يجب أن يكون القانون مصيدة للمواطن نفرح بوقوعه فيها كالصيادين في الغابات عندما تقع الفريسة في الفخ، فالضرورة والتناسب لا تبرر قسوة العقاب ولا الحط من كرامة الإنسان حتى عند تنفيذ العقوبة، ولو كان حق العقاب مشروعاً إلا أنه يجب عدم التعسف في استخدام سلطة التجريم ولا حق العقاب من دون ضرورة للمجتمع.

إن إنشاء المحاكم الدستورية تاريخياً يستهدف بالدرجة الاولى ضمان الحقوق والحريات. ففي فرنسا مثلاً أصدر المجلس الدستوري حتى 1994 حوالي 400 قرار بمجال الرقابة السابقة قضى بعدم دستورية نصفها، وكان نصف غير الدستورية يتعلق بالحقوق والحريات العامة.

إن التصدي لبعث الروح في احكام الدستور هو مهمة المحكمة الدستورية، فكما هو معروف فإن النصوص القانونية تكون في حالة سكون إلى أن تجيىء المحكمة فتبعث فيها الروح وتمدها بالحرارة لتكشف بها أن الدستور كائن حي. (هناك كتاب بهذا المعنى يتناول قرارات المحكمة العليا الأمريكية اسمه The Living Constitution

ولأن الدستور وثيقة حية قابلة للتفسير المستقبلي قامت المحكمة الدستورية العليا ف يمصر مثلا بتوسيع الحقوق والحريات في الدستور المصري لتتسع إلى مبادىء لم ينص عليها الدستور.

ومن المعروف أن الدستور الأردني ينص على قواعد دستورية قابلة للتطبيق الفوري وتغل يد السلطات جميعا دون أن تملك هذه السلطات أية صلاحيات تقديرية في التطكبيق ومثالها عدم جواز إبعاد أردني عن ديار المملكة، وبالمفهوم المخالف (وهو مبدأ تفسيري مستقر فقها وقضاء) فإن النص السابق يعني بالمنطق عدم جواز منع أردني من العودة إلى المملكة، وأمام المحكمة فرصة لتأكيد هذا الحق مع أن الدستور الأردني لا ينص عليه كما نص عليه الدستور المصري لعام 1971 والدستور اليمني مثلا.

زهناك من ينتظر بدء عمل المحكمة ليتقدم بطعون تشغل بال المواطنين كقرار فك الارتباط وعدم تجنيس ابناء الأردنيات ومواد تنتقص من المساواة كاستثناءات القبول الجامعي (صدر قرار بعدم دستوريتها في مصر).

وكان دستور 1971 أول الدساتير المصرية التى تضمنت نصوصاً تنظم رقابة دستورية القوانين وأوكل أمر هذه الرقابة إلى محكمة خاصة سماها المحكمة الدستورية العليا وقد نظم الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح.

وقد جعل الدستور المحكمة الدستورية العليا هيئة قضائية مستقلة قائمة بذاتها تتولى – دون غيرها – مهمة الفصل فى دستورية القوانين واللوائح، وكذلك تفسير النصوص التشريعية.

وقبل صدور القانون رقم 48 لسنة 1979 بإصدار قانون المحكمة الدستورية العليا كانت المحكمة العليا تتولى الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة سندا قانونها الصادر بالقانون رقم (81) لسنة 1969 قانون الإجراءات والرسوم أمامها الصادر بالقانون رقم (66) لسنة 1970 والقانون رقم (79) لسنة 1976 ببعض الأحكام الخاصة بالمحكمة العليا.

انشئت المحكمة الدستورية العليا في مصر بقانونها رقم 48 لسنة 1979

الكويت

ينص الدستور الكويتي في المادة – 50 : يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطات مع تعاونها وفقا لأحكام الدستور، ولا يجوز لأي سلطة منها النزول عن كل أو بعض اختصاصها المنصوص عليه في الدستور.

وانشئت المحكمة الدستورية في الكويت تطبيقا لنص المادة – 173 من الدستور التي تنص: يعين القانون الجهة القضائية التي تختص بالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح، ويبين صلاحياتها والإجراءات التي تتبعه ويكفل القانون حق كل من الحكومة وذوي الشأن في الطعن لدى تلك الجهة في دستورية القوانين واللوائح وفي حالة تقرير الجهة المذكورة عدم دستورية قانون أو لائحة يعتبر كأن لم يكن.

وانشئت المحكمة الدستورية في الكويت مبكرا بقانونها رقم 14 لسنة 1973 وتختص دون غيرها بتفسير النصوص الدستورية والفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين والمراسيم بقوانين واللوائح وفي الطعون الخاصة بانتخاب اعضاء مجلس الامة أو بصحة عضويتهم، ويكون حكم المحكمة الدستورية ملزما للكافة ولسائر المحاكم.

البحرين

انشئت المحكمة الدستورية في البحرين بقانون رقم (27) لسنة 2002 تتشكل المحكمة من رئيس وستة أعضاء يعينون بأمر ملكي لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد وأعضاء المحكمة الدستورية غير قابلين للعزل ولا يمكن نقلهم إلى وظائف أخرى إلا بموافقتهم.

قطر

أنشئت المحكمة الدستورية العليا في قطر بقانونها رقم (12) لسنة 2008 الصادرفي 18-6-2008 الذي ينص في المادة (2): تشكل المحكمة من رئيس وستة أعضاء، ويصدر بتعيين رئيس المحكمة أمر أميري، ويكون بدرجة وزير، ويعين باقي الأعضاء بأمر أميري، يحدد أقدمياتهم.

اسبانيا

انشئت المحكمة الدستورية في اسبانيا بقانونها عام 1979 سندا للمادة 159 من دستور 1978

1- تتألف المحكمة الدستورية من اثني عشر عضوا يعينهم الملك. يرشح أربعة الكونغرس بأغلبية ثلاثة أخماس أعضائه، وأربعة يعينهم مجلس الشيوخ بنفس الأغلبية، واثنين تعينهم الحكومة، واثنين من المجلس العام للسلطة القضائية.

2- يعين أعضاء المحكمة من بين القضاة والمدعين العامين وأساتذة الجامعات، والموظفين العموميين والمحامين، يجب أن يكون كل منهم من الحقوقيين المعروفين مع مالا يقل عن خمسة عشر عاماً من الخبرة في ممارسة مهنتهم.

3- أعضاء المحكمة الدستورية يعينون لمدة تسع سنوات، ويجدد ثلثهم كل ثلاث سنوات.

جنوب افريقيا

المحكمة الدستورية هي أعلى محكمة في جنوب أفريقيا في المسائل الدستورية. لذا ولايتها – تقتصر على المسائل الدستورية فقط.

القسم 167 (4) من قانونها يعطي للمحكمة الدستورية على سبيل الحصر:

البت في المنازعات بين أجهزة الدولة في المجال الوطني أو الإقليمي فيما يتعلق بالوضع الدستوري وصلاحيات أو وظائف في أي من تلك الأجهزة للدولة; البت في دستورية أي قانون أو برلمانية على مستوى المقاطعات; البت في دستورية أي تعديل للدستور، تقرر أن البرلمان أو الرئيس قد فشل في الوفاء بالتزام دستوري.

أحيانا تعطي المحكمة الإذن لطرف ثالث الانضمام للدعوى، باعتباره صديقا للمحكمة Amicus curiae إذا كان سيتأثر بنتيجة الحكم. وتكون جلسات المحكمة علنية.

وهذه العلنية تمتد للصحافة ووسائل الإعلام بما في ذلك التصوير التلفزيوني، وتقوم المحكمة بتقديم ملخصات لوسائل الإعلام حول القضية.

الجزائر

مر المجلس الدستوري في الجزائر بعدة مخاضات حتى اكتمل شكله الحالي، وبالتعديل الدستوري لسنة 1989، تم النص على إنشاء مجلس دستوري يتمتع بصلاحيات منها على الخصوص، رقابة دستورية المعاهدات والقوانين.

وفي تعديل الدستور عام 1996 أقرّ توسيع صلاحيات المجلس الدستوري لتشمل رقابة القوانين العضوية، رقابة إجبارية قبل إصدارها، متأثرا بالأسلوب الفرنسي في الرقابة السابقة على الدستورية.

والمجلس الدستوري مكون من 9 أعضاء يعين رئيس الجمهورية ثلاثة أعضاء من بينهم رئيس المجلس الدستوري، ويمثل البرلمان عضوان عن كل غرفة، ينتخبهما نظراؤهم، وعضو تنتخبه المحكمة العليا، وعضو آخر ينتخبه مجلس الدولة، ومدة عضوية كل منهم 6 سنوات لفترة واحدة، ويجدد نصف عددهم كل 3 سنوات.

البرتغال

منذ انشائها عام 1983 وصل عدد القضايا التي تنظرها المحكمة الدستورية في البرتغال سنويا إلى الف قضية 1996، وتنظر الآن حوالي الف إلى 1300 قضية، منها حوالي 4% تتعلق بعدم الدستورية.

وتتألف المحكمة الدستورية من ثلاثة عشر قاضيا، يعينون لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد ولا يجوز عزلهم خلالها.

وهناك محاكم دستورية عديدة في العالم حيث تحتفل تشيلي هذا العام بمرور 40 عاما على إنشاء المحكمة الدستورية التي أنشئت عام 1971

وفي الهند ولدت المحكمة العليا الهندية في 28 كانون الأول 1950 أي بعد يومين من استقلال الهند.

وفي البوسنة والهرسك التي تعتبر من اواخر الدول التي أنشأت محكمة دستورية. يشار أن يوغسلافيا سابقا كانت الدولة الاشتراكية الوحيدة التي أنشئت فيها محكمة دستورية عام 1963.