ندوة العرب اليوم … دور وسائل الاعلام في التأثير على الرأي العام

شارك


- منسوب استقلالية الاعلام على قدر منسوب الديموقراطية والحريات العامة.

- حرية الاعلام مسألة مقدسة لا تهاون فيها, والحرية والشفافية يحميان المجتمع.

- الاعلام العربي في مرحلة انتقالية من اعلام السلطة والرأي الواحد, الى اعلام الرأي والرأي الآخر.

- الاعلام الاسرائيلي اعلام حرب مجيش بالكامل في مواجهة العدو الفلسطيني -العربي

ادار الندوة :نواف الزرو

مشاركة: نوف الور

تصوير: عاطف العودات

* ابو عرجة:

نريد اعلاما يستند الى المعلومة الموثقة, والتحليل المبني على الفهم, وان تكون رسالة الاعلام في خدمة الانسان, لا في خدمة اجندات.

- نحن في الاردن بحاجة الى تقوية اعلامنا الداخلي حتى لا ينتظر مشاهدنا معلومة من هنا او هناك, ربما تساعد في زيادة البلبلة.

- الاعلام جعل الجماهير العربية تعرف شعبان عبدالرحيم, ولا تعرف غسان كنفاني او نجيب محفوظ.

- كيف  لمحطة الجزيرة ان تخدم العرب والعروبة, والقضية الفلسطينية, وتقول لنا في الوقت نفسه السيد نتنياهو والسيد شلومو, وهذه مسألة محيرة للرأي العام العربي.

- القنوات الفضائية تستطيع ان تميت قضايا وان تجعل بعضها حديث كل وقت وكل بيت.

- نعم; الاعلام هو السلطة الاولى الآن, فهو يصنع الحدث ويدخل الى بيوت الناس, لذلك اصبح الناس كلهم اعلاميين يستطيعون ان يتلقوا المعلومة ويناقشوها.

الموسى:

-الاعلام مرتبط بالسياسة, وعندما نتحدث عن اي نوع من انواع الاعلام, فهو مرتبط بسياسة معينة او بالمصلحة العليا, لذلك لا يمكن الفصل بينهما.

-كل اعلام ممكن ان يكون مستقلا اذا اقترب من المصداقية وكلما ازداد الاقتراب من المصداقية بشروطها الموضوعية كلما تحقق استقلال الاعلام.

-الاعلام الامريكي والاسرائيلي والغربي عموما مرتبط بمصالح الوطن العليا وفي العالم العربي لا يوجد مصالح وطن عليا.

-هناك جذب وشد بين تكنولوجيا الاعلام والاتصال التي اجبرت النظام العربي ان ينحني لانها سمحت بتفجير الوعي وتقديم الرأي والرأي الآخر.

-الشروط المطلوبة للارتقاء بالاعلام العربي عديدة اهمها توفر المصداقية والاستقلالية وان يصبح الاعلام العربي سلطة رابعة.


*بركات:

-أخذت هيمنة الدولة  تتراجع في ظل ثورة الفضائيات, فأصبح الانترنت والستلايت واصبحت هناك عولمة الاخبار.

-رغم ان اسرائيل تنادي بالليبرالية والديمقراطية, الا انها اعلاميا وبما يتعلق بالقضايا العسكرية, فهي خط احمر, لانها في حالة حرب دائمة مع العرب.

-أي اعلام تابع للسلطة لا يمكن ان تكون لديه مصداقية, خاصة اذا كانت الانظمة استبدادية, فلن يعرض الا وجهة نظر السلطة.

- في ظل ثورة الاعلام اصبح المواطن اعلاميا, ويستطيع الحصول على المعلومة والحقيقة بنفسه.

لم يكن عبثا اطلاق السلطة الرابعة على وسائل الاعلام بعد السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية, فقد ثبت تباعاً عبر سلسلة لا حصر لها من المشاهد والأحداث على امتداد المساحات العربية والاقليمية والدولية, أن دور وسائل الإعلام فيها, وفي صياغة مجرياتها ونتائجها كان كبيراً فعالاً, بل إن هذا الدور تفوّق أحياناً على دور السلطات الثلاث الأخرى, وذلك لما لهذه الوسائل من سطوة وهيمنة وتأثير وقدرة على صناعة وصياغة الرأي العام لصالح موقف أو برنامج أو جهة ما, فعلى الصعيد الاجتماعي المدني, تستطيع وسائل الاعلام ان تكشف الحقائق, وان تنقل المعلومة الصحيحة للمواطن, بل تستطيع ان تصنع رأيا عاما حول قضية وطنية محلية, اجتماعية او اقتصادية او سياسية, بل يمكن ان تتحول هذه الوسائل الى اداة تجييش وتحشيد احيانا لصالح جهة ضد اخرى, ويمكن لوسائل الاعلام ان تلعب دورا مستقلا موضوعيا يكون في خدمة المصلحة الوطنية العليا, ومنسوب استقلالية الاعلام هنا يكون على قدر منسوب الديموقراطية والحريات العامة.

وكذلك على مستوى العلاقات بين الدول, فلا شك أن الحرب الإعلامية بين طرفين من شأنها ضمن معادلات وحسابات معينة أن تحسم مصير الحرب كلها مثلاً ان وقعت, أو أن تحقق مكاسب نقطية لصالح طرف معين, أو أن تظهر الحق وتزهق الباطل, أو أن تخلط الأمور والأوراق وتزيف الوقائع والحقائق, وتحول الحق إلى باطل, والباطل إلى حق في بعض الحالات والمعادلات, وهذا البعد الأخير, ينسحب بصورة قوية على المشهد العربي الراهن في ظل الثورات والحراكات الشعبية العربية, وليس فقط على الصراع العربي- الصهيوني, حيث لعبت وسائل الإعلام الصهيونية والأمريكية والغربية في مراحل زمنية عديدة مثل ذلك الدور التضليلي التحريضي العدائي للعرب.

عن مفاهيم ومعايير واشكال الاعلام, وعن دور وسائل الاعلام في التأثير على الرأي العام وصناعة الاحداث والتطورات, وعن الاهمية الاستراتيجية للاعلام وقوته وتأثيره وعلاقته بالديموقراطية والحريات العامة, تستضيف "العرب اليوم" في ندوة خاصة الاساتذة-حسب دورهم في الحديث-:د.تيسير ابو عرجة عميد كلية الصحافة والاعلام في جامعة البترا, وأ.د.عصام الموسى المحاضر في كلية الصحافة والاعلام في جامعة اليرموك, ود.نظام بركات خبير في الشؤون الاسرائيلية, واستاذ العلوم السياسية في جامعة اليرموك.

مفاهيم ومعايير الاعلام…!

*العرب اليوم: باسم اسرة "العرب اليوم" نرحب بالضيوف الكرام ترحيبا حارا, في لقاء نناقش فيه قضية من اهم القضايا في العصر الراهن, قضية تهيمن الآن على المشهد العربي والدولي, ألا وهي قضية الاعلام, ودور وسائل الاعلام في التأثير على الاحداث والتطورات, ودورها في صياغة الرأي العام, او تحشيد رأي عام حول قضية معينة محلية او اقليمية او دولية, وفي الحقيقة اذا كنا سابقا نتحدث عن دور الاعلام كسلطة رابعة, ربما اليوم بعد نحو عشر سنوات واكثر قليلا من هذه الثورات الاعلامية التي حدثت في العالم العربي, وتحول وسائل الاعلام الى ما يشبه الامبراطورية العربية في العالم العربي, ربما تحولت هذه السلطة الرابعة الى السلطة الاولى في التأثير عى الرأي العام, بل وصناعة الرأي العام حول قضية معينة, ونعتقد ان دور وسائل الاعلام دور استراتيجي بالغ الاهمية في صياغة المشهد المحلي او العربي اوالاقليمي او الدولي, فدعونا بداية نقف عند مفهوم ومعايير ورسائل الاعلام على الاقل على المستوى العربي, وهناك محاور بالغة الاهمية سنناقشها في سياق هذا اللقاء, ونبدأ معك د. تيسير, ونتحدث بداية عن مفاهيم ومعايير الاعلام…!

-ابو عرجة: تبرز قضية الاعلام الان بقوة, فالاعلام لعب ويلعب دورا مهما في القضية الفلسطينية وفي الصراع العربي الاسرائيلي وفي قضايا الوحدة العربية وفي قضايا التنمية.

*العرب اليوم: د. عصام, هل هناك مفاهيم ومعايير موحدة ومشتركة بين مختلف وسائل الاعلام العربية والعالمية, وهل هناك ما يجمع بينها, ام ان لكل دولة مفاهيمها ومعاييرها ورسالتها…?.

- الموسى: العالم فيه انظمة اعلامية مختلفة على الاقل هناك اربع انظمة اعلامية تتراوح بين انظمة سلطوية يقدم فيها الاعلام وجهة النظر الواحدة, وهذا الذي كان سائدا في العالم العربي حتى قيام الربيع العربي, ويقابله في العالم الغربي الاعلام الليبرالي الذي يقدم الرأي والرأي المعارض باستمرار, وتطور هذا عبر 400 سنة من التاريخ, ولم تكن المسألة سهلة ونحن الان في العالم العربي في مرحلة انتقالية ننتقل من اعلام السلطة والرأي الواحد, الى اعلام من نوع جديد يقدم فيه الرأي الآخر, وتساهم وسائل إعلام أخرى وقنوات أخرى, خاصة الفضائيات والمواقع الالكترونية.

الاعلام والحريات العامة

*العرب اليوم: هل هذا الاعلام المفتوح اليوم في كل الدول العربية, وهل من الممكن ان نتحدث عن اعلام اردني مستقل, او اعلام سوري او لبناني مستقل..?, الى اين وصلت الحريات الاعلامية في الوطن العربي…?, وهل ممكن ان نقول ان استقلالية الاعلام رهن بمنسوب الديموقراطية والحريات العامة…?.

- الموسى: العالم العربي في مرحلة انتقالية هناك شد وجذب بين السلطة التي تحاول ابقاء الاعلام اعلاما قديما كما كان في السابق خاضعا لها, لكن تطور تكنولوجيا الاتصال الرقمية, ونحن الان نعيش في الثورة الرابعة للاتصال, وهي الثورة الرقمية التي انحنت امامها الحكومات, وكانت أولى البشائر حينما اضطرت الحكومات الى اسقاط الرقابة, ففي منتصف التسعينيات خرج عبدالله العتوم حين كان مديرا لدائرة المطبوعات وقال في تصريح خطير: استطيع ان اراقب الجرائد الآن من المطار الى المكتبات, فسقطت الرقابة المسبقة, وتحولنا نتيجة ضغط الحكومات الى الرقابة الذاتية في مرحلة لاحقة, يعني ان اعلامنا عمليا يعيش مرحلة انتقالية وهذا ينسحب على بقية العالم العربي, لان تكنولوجيا الاتصال حتمت التغيير, وادخلت التغيير في قلوب الناس, ونتيجة هذا التغيير والضغط على الحكومات قام الربيع العربي.

*العرب اليوم:اذا كانت رسالة الاعلام الرئيسية هي التواصل مع الجماهير, ونقل المعلومات والحقائق التي تجرى على الارض الى المواطن, والتفاعل مع هذا المواطن والتأثير عليه وعلى مواقفه وآرائه بشكل او بآخر, فإلى اي مدى ممكن ان نربط هذا السقف من الحرية الاعلامية بالحريات العامة والديمقراطية على سبيل المثال…?

- بركات: استكمالا لما اشار اليه الدكتور عصام, فالاساس في الانظمة السلطوية التي كانت سائدة, كانت وسائل الاعلام هي وسائل لنقل المعلومات والاخبار من السلطة الى الافراد, وبالتالي دور الاعلام كان توجيهيا قياديا, يضع الناس في قوالب ما تريده السلطة, وهذا على مستوى العالم ككل, وعند ظهور الجهات الليبرالية- الرأسمالية منذ البداية, ففكرة القطاع الخاص بما فيها الاعلام, فالحكومة في امريكا ممنوع ان تمتلك وسائل اعلام, ولا يوجد اي محطة تلفزيونية في امريكا ملك للدولة, والان في ظل توسع الحريات, قد تقوم وسائل الاتصال وهي شيء مادي بلعب دور في تغيير الاعلام, اي تقوم وسائل تكنولوجيا الاتصال باخراج الشعوب من دائرة اعلام دولتها فتستطيع سماع اخبار من وسائل اعلام اخرى, وهذا لم يكن موجودا قبل عشرين عاما, فأول ما ظهرت الـ / CNN كانت طفرة في نقلها اخبار الحرب ضد العراق, والان اصبحت الفضائيات في كل العالم, فبالتالي هنا, هيمنة الدولة تتراجع لان الدولة سترى ان كل المواطنين سيستمعون الى الاخبار دون الاعتماد على اعلانها الرسمي, فأصبح الانترنت والستلايت يوفران الاخبار ولم تعد الدولة مسيطرة على دخول وخروج الاخبار, وفي ظل العولمة اصبحت هناك عولمة الاخبار, فالاخبار الآن تتناقل عبر اي فضائية عن طريق المراسلين على مستوى العالم, وبالتالي اصبحت فكرة العولمة على حساب سيادة الدولة القومية, واصبح الفرد يستطيع الحصول على المعلومات والاخبار من مصادر اخرى, وهذه المصادر بعضها قد يكون حكوميا, وبعضها صحيح وبعضها مغرض, فأصبح هناك انفتاح في ان تسمع المعلومات من عدة وجهات نظر, وبالتالي عولمة الاتصال وعولمة الاعلام جعلت سياسة الدولة في التحكم في الاخبار محدودا, حتى لو ارادت الدولة لن تستطيع لان الدولة لم تعد المصدر الوحيد لبث الخبر, ففي الخمسينيات كان من يُضْبَط مستمعا لاذاعة صوت العرب مجرما اما الآن فلم يعد هناك سيطرة على اماكن بث الاخبار.

عن الاعلام المستقل عربيا

*العرب اليوم: تحدثنا حول الاعلام المستقل الذي افتقدناه في العالم العربي عبر العقود الماضية, فهل اصبح لدينا الآن اعلام عربي مستقل د.تيسير…?.

-ابو عرجة: كلمة مستقل نسبية, فهناك اعلام رسمي يتبع للدولة, وهناك اعلام قطاع خاص, هل هو مستقل عن رأس المال او مستقل عن الايديولوجيا التي ممكن ان تحكمه, لذلك كلمة مستقل في الاعلام الحقيقي هي كلمة تحمل اكثر من وجه ويصعب اليقين فيها, لكن الاعلام الذي يستطيع ان يتحرك بحرية وهو الذي دخل علينا الان, واعتقد ان اهم نقطة هو انه قد اصبح هناك وعي بالاعلام وعي برسالة الاعلام فالرأي العام لم يعد متلقيا للمعلومة فقط بل يستطيع ان يناقش ويحكم على سياسات وسائل الاعلام, واصبحت هناك جرأة لدى الجمهور ليقول رأيه في وسائل الاعلام, واصبحت قنوات الاعلام مفتوحة على الجمهور بشكل كبير جدا, واصبح هناك رأي عام يفهم رسالة الاعلام ويستطيع ان يصل الى الاعلام, فعملية الوصول الى الاعلام كانت غير معروفة فبالتالي اصبح لدينا مصطلح الاعلامي المواطن او الصحافي المواطن, فالان من هو الاعلامي?! لذلك يمكن ان نقدم خبرا في وسيلة اعلامية كالمواقع الالكترونية وسنجد سيلا من التعليقات عليه, مما يدل على انه داخل الجمهور هناك جذوة اعلامية قادرة على التعليق وقادرة ان تقول رأيها, وبالتالي هذا الوعي بالاعلام هو الجديد, اضافة الى موضوع تخطي الحدود وانتهاك السيادة.

مساحة الاعلام

*العرب اليوم: في المعايير العربية كلمة مستقل معناها انه مستقل عن السلطة تحديدا, لاننا عانينا كثيرا من الاعلام السلطوي, لذلك هل ممكن ان نتحدث حاليا في هذا الزمن الفضائي عن اعلام يتمتع بحريات او مساحة مفتوحة من الحريات في الاردن او الدولة العربية…?.

-ابو عرجة: الان هذا موجود لدينا عربيا, وجسدته الفضائيات, فالفضائيات الاخبارية التي تابعها الانسان العربي في الربيع العربي على مدى 24 ساعة, وقدمت له الاخبار والصور والنجاحات في بعض الدول العربية, وهذا فعليا تمتع ويتمتع بحريات واسعة, لكن في قضية الاستقلالية, هل هناك اعلام بريء من اجندات يخدمها?!, برأيي ان الاعلام الرسمي الاردني قد تغير ولمسنا بعض الجرأة في التلفزيون الرسمي الاردني.

الاعلام الحربي

*العرب اليوم: منذ الحرب الامريكية-البريطانية على العراق, ونحن امام اعلام حربي امريكي اسرائيلي, فهل اصبح الاعلام الحربي, هو الاعلام السائد الذي يهيمن اليوم على المشهد العالمي في التعاطي او التعامل بين الدول?, فلكل دولة اجندتها السياسية والاستراتيجية والاقتصادية ولها اعلامها ايضا الذي يسوق هذه الاجندة فهل نحن امام اعلام حربي فقط, بينما سقط واختفى الاعلام المدني الذي يخدم المواطن ويربط ما يجرى على الارض بالمواطن?.

-الموسى: الاعلام الحربي مرتبط بالمدرسة التعبوية الحشدية وهذا كان سائدا في الانظمة الشيوعية سابقا, وهي الانظمة التي يقدمها نظّارة الحزب الواحد, ما حصل في البلاد العربية حقيقة ان الاعلام الغربي انضم الى الجيش الامريكي في غزو العراق, لذلك تحدثوا في تلك المرحلة عن تنويم الاعلام ليحدّوا من شدة تأثيرهم على الشعب الامريكي فجاءوا بهم كفريق مع الجيش, وتعلم الامريكي ان هذه القصة من تجربة فيتنام, لان في المرحلة الاولى في فيتنام اعتمد الامريكان في التغطية على وسائل الاعلام الحربية والعسكرية, وتفاقم الوضع في فيتنام واشتدت المظاهرات في امريكا وذهب الصحافيون الامريكيون واكتشفوا الحقائق واشتدت المظاهرات في امريكا وذهب الصحافيون الامريكيون واكتشفوا ان المؤسسة العسكرية تكذب عليهم فكانت النتيجة ان الامريكيين اضطروا ان ينسحبوا, لان الصحافة الامريكية حاولت ان تقدم وجهات النظر المتباينة بدرجة عالية من الحرية, اما في العراق فتم استخدام استراتيجية اخرى بانهم ربطوا الصحافة في الدبابات فكان مع كل فرقة عدد من الصحافيين فكانت المعلومات ترد هكذا الى الشعب الامريكي واستطاعوا ان يجيشوا الامريكان, فلو تقرأ تحديدا في ادبيات الاعلام الامريكي ستجد نقدا كبيرا لتلك المرحلة وكيف يوظف الاعلام في خدمة السلطة, هذا وفي مجال تجييش الاعلام استطاع الاعلام الامريكي ان يوظف الاعلام لخدمة مآربه وان يوظف الاعلام العربي المؤيد له ايضا في خدمة مآربه في تجييش الشعوب للاعداد للهجوم على العراق وتدميره, اما بما يخص استقلالية الاعلام فانا اعتقد ان كل اعلام ممكن ان يكون مستقلا اذا اقترب من المصداقية وكلما ازداد اقترابا من المصداقية بشروطها المختلفة الموضوعية وعدم الانحياز وتقديم الحقائق, كلما تحقق استقلال الاعلام فهذا هو الجواب وفي اعلامنا العربي لا يوجد اعلام مستقل.

الاعلام الاسرائيلي

*العرب اليوم: مع ان تكنولوجيا الاعلام والاتصال الجماهيري طغت على المشهد كله, لكن الانظمة العربية ما زالت متكلسة عند برامجها واجنداتها التقليدية, وفيما يتعلق بالعراق دكتور عصام اطلقوا على فرق الاعلاميين جيش الاعلاميين الامريكان حتى وان كان منهم صحافيون عرب, د.نظام, وانت خبير في الشؤون الاسرائيلية, كيف تقرأ دور الاعلام الاسرائيلي فيما جرى على الساحة العربية من ثورات وحراكات في الاونة الاخيرة..?.

-بركات: استكمالا عن الاستقلال عن السلطة او الدولة فمن يحكم?, السلطة من هي?, ففي السلطة الرأسمالية الذي يحكم هم اصحاب رؤوس الاموال فلا يمكن في مجتمع رأسمالي ان يصل الى السلطة الا من يستطيع ان ينفق على حملات انتخابية كبيرة او ينتمي الى مجموعات اقتصادية او ما شابه, فهنا عندما نتحدث عن اعلام مستقل في المجتمعات الغربية لان هذا الاعلام تابع للقطاع الخاص, والسؤال هل هذا القطاع الخاص مستقل عن السلطة?, ففي النهاية انا امثل قوى كبيرة جزء من السلطة, لكنها ليست كل السلطة, لان المجتمع الرأسمالي فيه فكرة التعددية.

*العرب اليوم: عندما نتحدث عن استقلالية الاعلام, بمعنى هل يتيح هذا الاعلام الرأي والرأي الآخر?

-بركات: في فكرة الاستقلال, مثلا الصحافيون الذين كانوا مع الدبابات في العراق, وكانوا يبثون وجهة النظر الامريكية, كانوا يعتقدون ان هذه مصلحة امريكا, قد يكونون قطاعا خاصا ومحطات خاصة الا انهم يروا مصلحة امريكا لانهم جزء من هذا الكيان, اما اسرائيل فهي من الدول التي تفاخر انها رمز للاعلام المنفتح والاعلام الليبرالي والدولة تسمح بالتعددية, والدولة تميل الى اعطاء نمط من الاستقلالية للمؤسسات الاعلامية, ليس لديهم وزارة اعلام بل مؤسسات اعلامية لها جزء من الاستقلالية وفسحة للعمل, اما عن الاعلام الحربي فإسرائيل رغم انها تنادي بالليبرالية والديمقراطية الا انها فيما يتعلق بالقضايا العسكرية لديها قيود مشددة على نشر أية معلومات تتعلق بالامور العسكرية, اما في غير الامور العسكرية ليس لديها اي مشكلة ولديها درجة عالية من الحرية, اما بما يتعلق بالقضايا العسكرية فهي خط احمر لانها في حالة حرب دائمة فبالتالي كل ما يتعلق بالامور العسكرية يمنع التعامل به.

*العرب اليوم: الحقيقة ليس فقط في الامور العسكرية فاعلام اسرائيل اعلام حرب مجيش بالكامل, في مواجهة العدو الفلسطيني والعربي, ليس فقط في جبهة الحرب انما في كل المحاور التي من الممكن ان تخطر بالبال, فنحمان شايو وهو محلل اعلامي وعسكري اسرائيلي كبير, رافق الجيش الاسرائيلي في العديد من الحروب الاسرائيلية يقول: ان دولة اسرائيل تدير امورها عبر ثلاث وسائل: الجهد العسكري والسياسي والاعلامي ويعتبرون ان الاعلام جبهة لا تقل اهمية عن الجبهة الحربية, وقد يكون للاعلام دور كبير جدا في حسم المعارك على الارض ايضا.

-ابو عرجة: هناك خصوصية للاعلام الاسرائيلي, فهو اعلام دولة مغتصبة فهذا الاعلام موظف لخدمة مؤسسة عسكرية لها استراتيجيتها وقوانينها لا تسمح بالحرية الاعلامية, فالحرية الاعلامية الاسرائيلية هي فقط لمناقشة قضايا محلية وبرلمانية فيما يتعلق باليهود فقط, اما بما يخص القضة الفلسطينية او حق الشعب الفلسطيني فالاعلاميون الاسرائيليون هم جنود واعلامهم اعلام عسكري, ولكن حتى السماح بالرأي والرأي الآخر, يعيدنا الى مقولة جولدا مائير حينما قيل لها ان هناك: تجييشا للرأي العام العالمي ضد اسرائيل فقالت الرأي العام العالمي ليس دبابة توجه بنيرانها الى صدورنا بمعنى اننا نحسم كل شيء على الارض عسكريا ودع الرأي العام العالمي يقول ما يشاء, وعندما نرى مقالات لكثير من الكتاب العالميين ماذا سيؤثرون على المهمة الصهيونية او على المخطط الصهيوني, الحقيقة انا رأيي ان هذا الكلام مداعبة للرأي العام وكلام يعبر عن ديمقراطية.

جبهة الاعلام

*العرب اليوم: تحولت جبهة الاعلام مؤخرا على المستوى الدولي الى جبهة مهمة وفاعلة جدا, حيث تؤثر على الرأي العام العالمي والامريكي والاوروبي على اختلاف تشكيلاته, لدرجة ان اسرائيل اصبحت ترى في الاعلام الدولي الذي ينتقد الاستيطان اعلاما معاديا لها يهدف الى نزع الشرعية عن اسرائيل لذلك هذا البعد الدولي للاعلام مهم جدا.

-ابو عرجة: البعد الدولي للاعلام مهم لكن في الحقيقة موضوع القوة مهم جدا, لان اسرائيل تعتمد على القوة العسكرية في منطقتنا وتعتمد ايضا على قوتها على الارض,, اما حساسيتها من الاعلام هذه مهمة لكن اسرائيل ايضا حريصة ان تتواجد في خريطة الاعلام الدولي, فعندما نجد الاعلام الامريكي والفرنسي والبريطاني فنحن نجد لوبيا صهيونيا في كل منها, فهذا كله اعلام, فاسرائيل لا تغفل الاعلام الدولي وهذا كله اعلام دولي.

*العرب اليوم: حسب احدث التقارير المتعلقة بالهيمنة الصهيونية على الاعلام الامريكي, هناك 6 شركات اسرائيلية تسيطر على 96% من الاعلام الامريكي, فالاعلام الامريكي تحت سيطرة اللوبيات الصهيونية بالكامل تقريبا, ولذلك فان الرأي العام الامريكي لا يتفاعل الا مع الرسائل الاسرائيلية.

-ابو عرجة: هناك دور واضح للايباك, فعندما يذهب رؤساء اسرائيل او رؤساء وزراء اسرائيل الى امريكا يذهبون الى ايباك قبل ان يخاطبوا الرئيس الامريكي.

الامبراطوريات الاعلامية

*العرب اليوم: د.عصام, هل تعتقد ان لهذه الامبراطوريات الاعلامية العربية التي تهيمن على العالم العربي مثل الجزيرة والعربية والمؤسسات الاعلامية الاخرى, اجندات معينة وتخدم رسالة معينة ام هي مستقلة وموضوعية وعلمية وشفافة, ما هو دور الامبراطوريات الاعلامية العربية في التأثير على الاحداث والاوضاع وفي صياغة الخرائط..?

-الموسى: لا يوجد اعلام عربي مستقل, اما حول الاعلام الاسرائيلي فهناك قضية مهمة تغيب عن بال الباحثين العرب بشكل عام حيث يناقشون الاعلام الامريكي والاسرائيلي, فالاعلام الامريكي والاسرائيلي والغربي عموما مرتبط بمصالح الوطن العليا, وفي العالم العربي لا توجد مصالح وطن عليا, كما نتحدث عن القومية العربية, فاعلامنا مشتت ملحق بمصالح من يدفع كحال الجزيرة والعربية, لغياب المصالح العليا فهي تقدم شكلا اعلاميا جذابا يختبىء خلفه الرأي والرأي الآخر المعارض, فلا توجد هناك مصلحة عليا محددة, فهل توجد هناك مصلحة عليا لتحقيق الوحدة العربية في الاعلام العربي?, لا توجد, كل اعلام يسعى لتحقيق اهداف من يموله, لذلك لا يوجد اعلام عربي مستقل, وهو اعلام مرتبط باجندة السلطة, فهناك جذب وشد بين تكنولوجيا الاعلام والاتصال التي اجبرت النظام العربي ان ينحني وانتصرت تكنولوجيا الاتصال وليس فقط في العالم العربي, لانها سمحت بتفجير الوعي وتقديم الرأي والرأي الآخر.

الاعلام في الثورات العربية

*العرب اليوم: ننتقل للاعلام في ظل الثورات والحراكات الشعبية العربية, فالواضح ان للاعلام دورا ربما يكون استراتيجيا وحاسما في تقرير مصيرالثورات, فكيف تقرأون هذا الدور…?.

-الموسى: الربيع العربي هو انتفاضة الشعوب العربية ضد الظلم الذي عشناه من 100 سنة من الاستقلال وانتهاء الاستعمار, ومع تطور تكنولوجيا الاتصال الجديد, والاعلام الرقمي سمح لاي انسان ان يكون مواطنا صحافيا ولم يبق مستقبلا فقط للرسالة الاعلامية ومتأثرا بها, بل اصبح منفتحا وازداد وعي الانسان العربي, ومع تقدم التكنولوجيا الجديدة التي وفرت الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وامكانية رؤية العالم الخارجي مع تحقيق حقوق الانسان في المساواة, العدالة, وغيابها عن مجتمعنا, كانت المسألة بحاجة الى شرارة والشرارةانطلقت مع بوعزيزي.

*العرب اليوم: عوامل الثورة كانت ناضجة وكامنة في تونس ومصر وباقي الدول,وجاء الاعلام ليسلط الضوء على هذه العوامل ويسرع في تفجيرها, فلهذه الامبراطوريات الاعلامية العربية كان دور استراتيجي بالغ الاهمية في تفجير الثورات العربية, اليس كذلك..?!

-بركات: في كل دولة عربية كان للشعب مشكلة مع النظام والاعلام حتى آخر لحظة كان مواليا للنظام, ولان معظم الاعلام في الدول العربية هو للدولة, والجديد في الموضوع انه اصبح لاطراف اخرى من خارج الدولة دور واضح وهذا ما يتعلق بتكنولوجيا المعلومات, فالجزيرة والفضائيات الاخرى اصبحت تصل الى الناس كلهم, ولاحظ ان كل الدول الغربية لها محطات عربية, اي ان العالم العربي لم يعد محكوما ب¯ "علاقة", وقد يكون لكل وسيلة اعلام غاياتها واغراضها, ولكن في النهاية تستطيع ان تسمع خيارا غير الذي تريده السلطة عندما يكون المواطن قادرا على سماع اكثر من وجهة نظر, ونعود بذلك الى قضية المصداقية, فأي اعلام تابع للسلطة لا يمكن ان تكون لديه مصداقية خاصة اذا كانت هذه الانظمة استبدادية, فلن يعرض الا وجهة نظر السلطة, وان استطاع المواطن ان يحصل على معلومة من خارج دولته فانه يصل الى تعددية في وجهات النظر ويشارك فيها, لم يكن يعمل في الاعلام سابقا الا موظفون في الاعلام, اما الان في ظل ثورة الاعلام اصبح المواطن اعلاميا, ويستطيع الحصول على المعلومة والحقيقة بنفسه.

-الموسى: اضيف الى كلام د. نظام, اضافة الى شعور الناس بالظلم وازدياد الوعي وتفتحه هناك التوليفة الكاملة التي ادت الى تغيير الناس, وتفاعل اكثر من عامل مع بعضها, وخلق الوعي للانسان العربي في الفترة الاخيرة, وبدأ هذا الوعي بالتغيير يستيقظ ويتحرك بفضل وسائل الاتصال الجماهيري, وهذه الوسائل لا يمكن ان تحدث التأثير ما لم تكن الارض مهيئة, فتهيأت النفس العربية لانها رأت ان العالم كله يصعد ويتقدم ونحن نتأخر, فتفاعلت العوامل كلها للتغيير.

دور الجزيرة

*العرب اليوم: كيف كانت الجزيرة عندما انطلقت, وكيف تطورت, وكيف هي الآن, وأين رست…?

-ابو عرجة: ما الذي جرى? الذي جرى هو ان اعلام السلطة سيظل اعلام السلطة, ولا تستطيع السلطة الا ان يكون لها اعلامها, وما جرى هو ان هناك محطات جاءت تعرض نفسها على انها غير منتمية لجهة معينة ولا تنطق باسم دولة معينة, بل تنطق باسم الانسان العربي والواقع العربي, والدليل على ذلك قناة الجزيرة تصدر في قطر, الا انها من خلال اخبارها وبرامجها لا تمثل دولة قطر, والمادة الاعلامية التي تقدمها تدل ايضا على ذلك, وكذلك الامر بما يتعلق بقناة العربية, وهما اشهر قناتين لعبتا دورا مهما جدا في الربيع العربي, وما اود قوله, اضافة الى الوعي بالاعلام وخطورته, والظلم الذي حاق بالانسان العربي, ومقارنته بحياة الاخرين, فان هناك مهنية اعلامية عالية وجديدة توفرت حديثا, ولم تكن موجودة من قبل, فاين كان لنا مئات المراسلين, وكيف كان يمكن ان يصلوا الى مسرح الحدث, وكيف لنا ان نعرف اسماء مدن ليبيا, ومدن تونس, وقد اطل الانسان العربي على اسماء مدن وقرى لم يكن يعرفها من قبل, وفي الحقيقة هذا امر جديد, هذه محطات تتباهى بالمهنية, وهي محطات ذكية تريد اعلى درجات المشاهدة, لان المشاهدة هي رأسمال المحطة وتعني اعلانات وسمعة مهنية, والجزيرة لعبت دورا مهما لقوة من يملكها وتحولت الى الوسيلة الاعلامية الاولى في العالم.


الاعلام وصناعة الحدث

*العرب اليوم: ولكنها في الاونة الاخيرة خسرت نسبة كبيرة من مشاهديها بسبب الاجندة السياسية التي تتبناها..!..

-ابو عرجة: هذه المحطات لها من الذكاء بحيث يمكن للمشاهد العادي ان يجد انها تخدمه وتخدم الانسان العربي, وطبعا لا يمكن لاي سلطة ان تترك اي اعلام من دون ان تكون لها فيه اية تدخلات, فما بالك اذا كانت مثل هذه القنوات تسمح احيانا ان نرى فيها الشخصيات الاسرائيلية, والحقيقة هذه المسألة تحيرنا, فكيف لها كمحطة ان تخدم العرب من العروبة, والقضية الفلسطينية وتقول لنا السيد نتنياهو والسيد شلومو, وهذه مسألة محيرة للرأي العام العربي, وبالنسبة للاجندات, هل هذه القنوات تصنع الحدث ام انها تنقل الحدث?, الحقيقة ان الاعلام ينقل الحدث لكن هل يصنع الحدث?, نعم بامكانه انى يصنع الحدث وهو فعليا يصنع الحدث, كيف?, التركيز على الحدث يصنع الحدث والمبالغة في نوع الحدث يصنع الحدث, اهمال الحدث يصنع الحدث, والتركيز على الحدث والمبالغة في نوع الحدث يصنع الحدث, لذلك هذه القنوات تستطيع ان تميت قضايا وان تجعل من بعض القضايا حديث كل وقت وكل بيت.

امبراطورية ميردوخ

*العرب اليوم: ما رأيك د. عصام في هذه العناوين التي طرحت حول دور هذه الامبراطوريات الاعلامية في صناعة الحدث العربي, هل فعلا تصنع الحدث العربي واين جرى ذلك?

-الموسى: حتى نفهم ما جرى الحديث عنه من سيطرة الاسرائيليين على الاعلام الغربي, فلو اخذنا امبراطورية ميردوخ سنكتشف ان امتدادتها تصل الى امريكا عن طريق قنوات (Fox), وفي بريطانيا مؤخرا تم الكشف كيف كان يتجسس على المسؤولين البريطانيين, ودعي كاميرون – رئيس وزراء بريطانيا – للشهادة في قضية ميردوخ, وامبراطورية ميردوخ تمتد الى منطقتنا عن طريق اتفاقياته مع الامير الوليد بن طلال, وقد ارتبطت روتانا مع امبراطورية ميرودخ, والى جنوب شرق اسيا عن طريق (Star) وميردوخ هو الامبراطورية الاضخم في العالم, وهي تصنع رؤية اسرائيلية, ودور امبرطورياتنا في العالم العربي مرتبطة بمصالح الممولين, فالجزيرة مولها امير قطر, وخلال مسيرتها لم تنتقد قطر نهائيا, وهذه الصفحة تبعد عن الاعلام مصداقيته الان من شروط المصداقية الموضوعية, اي ان تقدم اخبار قطر واخبار الدول الاخرى, اما ان تنتقد اي دولة ولا تنتقد قطر.

*العرب اليوم: لكن كان للجزيرة مصداقيتها العالية جدا في نقل الحدث وما يجرى على ارض العراق اثناء الحرب الامريكية, او في العدوان الاسرائيلي على لبنان عام ,2006 ولولا الجزيرة لم نكن لنعلم شيئا على الاطلاق…!.

-الموسى: كان جمهور الجزيرة يصل الى 60 مليون مشاهد في العالم العربي, والامريكان كانوا غاضبين جدا, ولا يريدون للجزيرة ان تقف هذا الموقف, وتغيرت المواقف في مرحلة لاحقة, وربما كانت في البداية من شروط تأسيس الجزيرة شروط معينة, ولكن هذه الشروط تغيرت بعد الغزو الامريكي على العراق بسبب الضغط الامريكي, وبقي للجزيرة جمهور واسع, لكن الذي اضعفها ظهور التقنيات الاعلامية الجديدة كالانترنت وشبكات الفيسبوك ومواقع التواصل الاخرى.

الاعلام وتزييف الحقائق والتاريخ

*العرب اليوم: نعوم تشومسكي يقول: الرؤية الاعلامية تسعى لخلق وتزييف الوقائع والحقائق والتاريخ, ووسائل الاعلام هل تلعب دورا كهذا?, والى اي مدى نلمس ذلك في واقعنا العربي?.

-بركات: افترض ان للاعلام في النهاية قضية قيم يريد ان يخدمها سواء كانت مصلحة عليا للدولة, ام قيما سائدة في المجتمع, ام سلطة, ام نقل الحقائق كما هي على ارض الواقع من دون تزييف, فعندما كان الاعلام يتبع الدولة في الغالب سيعبر عن وجهة نظر حكامها, وفي النهاية يرتبط الاعلام بما يقول له صاحب السلطة, اما الان عندما جاءت الامبراطوريات الاعلامية العربية, ونتكلم عن الجزيرة والعربية مثلا, فهذه الامبراطوريات اتصفت بنقطتين رئيسيتين اولهما المهنية العالية حيث انهم استقطبوا اعلاميين مشهوريين على مستوى الوطن العربي وجنّدوهم, ووظفوهم فيها, وثانيا افترض ان هناك إعلامين الاول اعلام خاص والثاني اعلام حكومة او سلطة, لدينا اعلام خاص هدفه الربح لانه قطاع خاص وقد يؤدي خدمة اولا, والقطاع الحكومي بالاساس يكون تأدية الخدمة هي رقم واحد وقد يربح وقد يخسر, اما الامبراطوريات العربية فلم ترتبط بقطاع خاص, وانا افترض ان العربية والجزيرة لا يوجد فيهما اعلانات الا مؤخرا, لكن لا تقوم على اعلاناتها ليس مثل LBC التي كانت ارباحها السنوية 124 مليون دولار من الاعلانات, وكونه قطاعا خاصا فهو الذي يتحكم بالبرامج بهدف الربح, واما الجزيرة والعربية لا تقدمان اعلانات, فهناك جهة ما تمولهما وهذه الجهة غير متبنية من قبل حكومة معروفة, والجزيرة ليست مدعومة من الحكومة القطرية, لان كل اخبار قطر ممنوع نشرها على الجزيرة, وهناك سؤال اخر: لماذا تبث الجزيرة..?, انا اعتقد انها تملك اجندة معينة, وهي تحاول اخذ الرأي الآخر, مثلا لم يكن اي اعلام عربي يجرؤ على ان يستضيف مثلا مراسل هاآرتس او مراسل اسرائيلي, والجزيرة منذ البداية تبنت هذا الاتجاه وتسمح للمشاهد ان يسمع وجهة النظر الاسرائيلية, وكون هذه القناة لا يوجد لها ربح او ممول واضح فلا بد من وجود اجندة, ومن الممكن ان تكون هذه الاجندة عند اكثر من طرف.

الاعلام كسلطة اولى…?

*العرب اليوم: في ظل كل ما طرح عن الدور الاستراتيجي المؤثر جدا للامبراطوريات الاعلامية في التاثير على الاحداث او صناعتها, فهل يمكن القول ان هذه الوسائل انتقلت من مكانتها كسلطة رابعة الى السلطة الاولى في التأثير على الاحداث والقضايا?!

-ابو عرجة: الذي يحسه الجمهور يعتمد على مدى العلاقة القائمة بين السلطات المتحدث عنها كافة, والذي يلمسه الجمهور او الرأي العام?, فالذي يلمسه الجمهور هو في تعامله اليومي مع الاعلام لذلك اقول ان الاعلام قفز الى السلطة الاولى, نعم الاعلام هو السلطة الاولى الان, فهو يصنع الحدث ودخل الى بيوت الناس, لذلك كل الناس اصبحوا اعلاميين يستطيعون ان يتلقوا المعلومة ويناقشوها, ولا يستطيع الانسان اليوم ان ينام قبل ان يعرف ماذا في الاخبار, لان الاخبار تحدد حياته ومسيره, وماذا يحدث غدا.

الاعلام هو السلطة الاولى والاجندة ليست غامضة كثيرا, برأيي ان بعض خيوطها واضح, هذه المحطات دورها مخاطبة الرأي العام بكل ما يراد له ان يخاطب به, وصناعة الرأي العام على هوى الاجندات والمصالح التي يراد ان ينسجم معها الرأي العام, فهل احد هذه الاجندات هو القبول الحقيقي لاسرائيل في منطقة الشرق الاوسط…?, هل هو الشرق اوسطية على حساب العربية…?, هل هو هز الراكد داخل المجتمعات العربية بحيث يصبح هذا القلق والتوتر وغياب الامن هي وجوه الربيع العربي الجميل, الى درجة ان بعضهم بدأ يتحدث في بعض قنوات الاعلام عن ثورة مضادة, و"الله يرحم ايام الحاكم الفلاني", وصراع خطير على الساحة المصرية بين الفلول والثورة المخطوفة, وبالتالي فإن الاعلام يتبنى اجندات ويسوقها, والمهم هو كيف تجعل الرأي العام يسير على هوانا?, وقبل نجاح الثورة المصرية بيوم او يومين لا اعتقد ان هناك انسانا عربيا او في العالم لم يكن يتابع الجزيرة, انا اعتقد ان العالم كله كان يتابع الجزيرة بانتظار عمر سليمان, لكن الاعلام ايضا يستفيد من خاصة وهي الاثارة, وهي سلاح خطير في أيدي الوسائل الاعلامية, هذه الوسائل ان افتقدت الاثارة ستأتي عليها ايام لا يشاهدها الناس, احيانا ان لم تكن هناك اثارة واحداث ربما ينتبه الناس الى امور عادية روتينية وتقرأ خبرا عاديا او يشاهدون اغنية او مسرحية, لكن عندما تكون هناك اثارة سياسية تشغل الرأي العام بطريقة عجيبة غريبة, وهناك خطورة في هذا.

الاعلام والسياسة

*العرب اليوم: هل يمكن ان ينفصل الاعلام عن السياسة…?

-الموسى: الاعلام مرتبط بالسياسة, وعندما نتحدث عن اي نوع من انواع الاعلام, فهو مرتبط بسياسة معينة او بالمصلحة العليا, لذلك لا يمكن الفصل بينهما, وفي احيان كثيرة يقال ان الاعلام هو مرآة المجتمع, لكن اعلامنا كان في الاغلب اعلام حكوماته, والاعلام مرتبط بالسياسات والسلطة, والاجندة القديمة قبل ايقاظ الوعي العربي وتكنولوجيا المعلومات كانت تركز على الترفيه محاولة اغراق وعي الانسان العربي في الترفيه, وبعد الانقلاب الاتصالي وتقدم التكنولوجيا تاريخيا معروف انه يستدعي تحولات في المجتمع, وعبر التاريخ لو نظرنا الى اقدم التكنولوجيا وصدور المطبعة مثلا, فان التغيير الذي اصاب اوروبا مع قدوم المعرفة كان كبيرا, فقاد الى الليبرالية وتقديم الاراء المختلفة, والان عالمنا العربي كما هو معروف هو "حيوان سياسي", فلذلك وسائل الاعلام وبعد الانتقال من مراحل الترفيه غرقت في السياسة, لدرجة انها قدمت المشهد السياسي بصورة لامعة عن طريق الجزيرة والعربية على وجه التحديد, ثم بدأت الطعوم تلقى في الماء على المكشوف, حتى وصلنا الى هذه المرحلة, وهو ان الاعلام يخدم اجندات سياسية واضحة لاغراض معينة, ومن هنا تأتي خطورة المرحلة فيما تؤدي اليه من خلق توتر نفساني وسياسي عند الناس, وانتظار الغد وما يحمله, والالغام والتفجيرات المنتشرة هنا وهناك تزيد من التفاف الناس حول الاعلام.

شروط الاعلام الذي نريد…!

*العرب اليوم: في ظل غياب الاعلام المستقل, ما هي شروط الاعلام الذي نريد اردنيا وعربيا?!

-بركات: عن علاقة الاعلام بالسياسة, فنحن لم نقل الاعلام والسلطة, بل الاعلام والسياسة, والسياسة بمفهومها الاشمل تضم السلطة وحتى الشعب, فالحكومة والقوى السياسية بما فيها من احزاب وعشائر هي جزء من النظام السياسي وليس نظام الحكم, كان نظام الحكم مرتبطا بالسلطة الرسمية في الدولة, وحتى مطالب الناس وآمالهم هي جزء من السياسة, وفي الاردن لدينا المكانة العشائرية مهمة, ومن يملكها له دور سياسي, والمال قيمة عليا ومن يملكونه لهم علاقة بالسياسة, وحتى الدين قد يكون قيمة عليا, اي انه من يملك الاشياء ذات القيمة والتي تختلف من مجتمع لآخر سيكون له علاقة بالسياسة.

وعن دور الاعلام في صنع القرار السياسي وليس الرسمي, اولا اظهار المشكلة, فمن يظهر ان لدينا مشكلة التي سأتخذ فيها القرار, المرحلة الاولى في اي قرار وفي اظهار المشكلة هو الاعلام, ويكشف الحقائق ثم يبدأ الناس بعدها بتحديد المشكلة واهميتها والحاحها, ومن الممكن ان لا يكون الاعلام وحده هو من يكشف المشكلة, الا ان له الدور الاساسي, ويساهم الاعلام في صنع القرار وايجاد البدائل, ولايجاد البدائل من المهم ان نسمع لمن هم خارج السلطة, وهذا يفتح مجالات اوسع للتفكير, وتقويم هذه القرارات ايضا للاعلام له دور خاصة ان كان الاعلام حرا.

*العرب اليوم: هل يصح القول ان الاعلام العربي بدأ يفقد اخلاقيات مهنة الاعلام?

-ابو عرجة: الازمة الحقيقية في الاعلام العربي هي فقدان جزء من اخلاقيات المهنة, هناك جانب من الاعلام العربي لا يراعي الناحية المهنية ولا الناحية الخلقية العامة وهذه مسألة خطرة, كاستغلال المرأة في الاعلان, عندما يركز على الاثارة الصحافية ونقدم بعض البرامج بشيء من قلة الذوق الواضحة, عندما نبتعد عن وظيفة الاعلام الحقيقية وهي الشرح والتفسير والوعي وخدمة التنمية, ويبنى الاعلام على الاشاعات, فعندما يكون الاعلام مكتبيا ولا يذهب الاعلامي الى ارض الميدان كل هذه المسائل تتنافى مع اخلاقيات العمل المهني الاعلامي.

*العرب اليوم: مرة اخرى د.تيسير, ما هي شروط الاعلام النموذجي الذي نريد?

-ابو عرجة: المعلومة الموثقة, والتحليل المبني على الفهم, وان تكون رسالة الاعلام في خدمة الانسان, وان لا يكون في خدمة اجندات, وتقوية الاعلام الداخلي, فنحن بحاجة في الاردن الى تقوية اعلامنا الداخلي حتى لا ينتظر مشاهدنا معلومة من هنا او هناك, ربما تساعد في زيادة البلبلة, وعلينا ان نعتبر ان حرية الاعلام هي مسألة مقدسة لا تهاون فيها, لان الحرية والشفافية يحميان المجتمع, لكن غياب الحرية يعني تفريخ الاشاعات, الحرية هي شيء نسبي ونحن لا نملك هذه الحرية التي نريدها, لكنه توجد حرية وسقوف متباينة والصحافة المكتوبة لدينا فيها مجالات ممتازة للرأي والرأي الآخر وفي علم الاعلام لا توجد حرية كاملة, ايضا عملية التوازن في وظائف الاعلام, فهناك كم كبير من الاعلام كله على الترفيه, كأن استقلالنا ناجز وليس لدينا اية مشاكل اقتصادية والتنمية عندنا رائعة, حتى وسائل الاعلام تبرز الفن وبعض الامور السطحية, وتغيب المثقف والعالم والباحث وما جرى من تركيز على عنف الجامعات, وكأن الجامعات فقط للعنف, اليست فيها ندوات ومؤتمرات علمية وبحوث…?, اين الاعلام والجامعات…? ليذهب الاعلام الى الجامعات كل يوم, ليرى ماذا يوجد في الجامعات من مبدعين.

الى كل ذلك, من يصمم الرسالة الاعلامية, فعندنا محطات فضائية كثيرة وعندنا قنوات تأتي بالبرنامج بمذيع هو يكتب البرنامج ويعده ويقرأ الاخبار, فيجب ان يكون هناك فريق استشاري من خبراء علم النفس والاجتماع والتربية والسياسة تساند كل برنامج تلفزيوني واذاعي, لان الاعلام تقنية فيها مضمون, فالمحتوى والمضمون شيء علمي وثقافي, وهذه التقنية ليست موجودة لدينا لكنها موجودة عند اسرائيل, فتجدهم في عزّ المعمعة يأتوك ببرنامج لملكة جمال بين بنات الناصرة, كأن عرب ال¯ 48 ليست لديهم مشكلة في التفرقة العنصرية والاستيطان.

والاعلام العربي يجب ان يركز على القضايا الحيوية في المجتمع التي يتجاهلها كثيرا, وعندما تقرأ القنوات الفضائية تحسب ان كل القنوات العربية ليست لها علاقة بالبيئة العربية, وهي في واد والدنيا في واد, ولا اعتقد ان قنوات لبنان تعكس الواقع اللبناني, ولا قنوات القاهرة تعكس الواقع الحقيقي للقاهرة, هذا الاعلام جعل الجماهير العربية يعرفون شعبان عبدالرحيم, ولا يعرفون غسان كنفاني او نجيب محفوظ, اعتقد ان الاعلام العربي يحتاج الى ان يكون برلمانا شعبيا.

*العرب اليوم: يمكن ان نقول اننا بحاجة الى حريات عامة حقيقية والى ثورة حضارية..?!.

-ابو عرجة: والعناصر البشرية المؤهلة موجودة وبحاجة الى ان تظهر طاقاتها وان تبرز هذه الطاقات.

-الموسى: اريد ان اركز على ارتباط الاعلام بالمصلحة الوطنية العليا, نحن الآن نعيش في عالم عربي يذكرنا بالعصور القديمة حين كنا أمما وقبائل متفرقة, لا هدف واضح يربطنا, ولا نرى شيئا في آخر النفق, فالشروط المطلوبة للارتقاء بالاعلام العربي عديدة اهمها توفر المصداقية والاستقلالية وان يصبح الاعلام العربي سلطة رابعة, لان هذه السلطة هي السلطة الرقابية على السلطات الاخرى, ففي الاردن لو اخذنا مثالا المدونة الصحافية التي اجهضت, بعد ان اقرت كانت هذه الخطوة لتدفع الاعلام الاردني الى الامام, لانها ستجبر الاعلامي لان يقدم الولاء لمؤسسة واحدة, فالاعلامي الآن يعمل في اكثر من مؤسسة, لذلك فان ولاءه متوزع, فنحن بحاجة في النهاية الى ولاء معين.

-بركات: الاعلام الذي نريد, سيكون في اكثر من مجال, ما يقدم في الاعلام والعاملون في الاعلام ومؤسسات الاعلام, انا سأفترض ان هناك مؤسسة في الاعلام توفر الخبرة لكي يعتمد الاعلامي على الخبرات, لتصبح هناك مؤسسة تقوم الاعلام وليس اشخاصا, والاجواء العامة ووجود الحريات والبرلمان والقضاء المستقل وتفعيله في مراقبة من يسيء عن طريق الاعلام, ويجب وجود رأي للشعب وللرأي العام والقوى السياسية واستقلال القضاء كل هذه عوامل مرتبطة تخدم الاعلام.

*العرب اليوم: نعتقد انه طالما تتعرض الامة العربية الى حروب صليبية امريكية على طريقة الرئيس بوش الابن وغربية وصهيونية, والى خطاب حربي امريكي صهيوني, فنحن بحاجة ببساطة الى اعادة ترتيب اولوياتنا الاعلامية في عالمنا العربي لمواجهة هذا الخطاب الاعلامي الحربي, وهذا يتطلب الكثير.

واعتقد ان فلسطين في الاعلام العربي تحتاج الى ندوة خاصة…. شكرا جزيلا لكم الاخوة الاعزاء على مشاركتنا في هذه الندوة المهمة حول دور وسائل الاعلام في التأثير على الراي العام وفي صناعة الاحداث.