التضحية بالغالي والنفيس من أجل فلسطين والأمة

شارك

 الحلقة الثانية

الشريف الحسين بن علي والسلطان عبد الحميد الثاني:

شموع لا تنطفئ – شخصيات من ذاكرة الوطن


 الشريف الحسين بن علي والسلطان عبدالحميد الثاني ذهبا ضحية مواقفهما الثابتة, ضد أي تنازل عن شبر من فلسطين, ودرتها مدينة القدس, ملتقى الأديان السماوية, ومهوى أفئدة طلاب السلام والسكينة, إذ قال السلطان عبد الحميد, عندما طُلب منه السماح باستيطان اليهود في فلسطين, مقابل تسديد ديون الدولة: " لا استطيع الموافقة على تشريح اجسادنا ونحن على قيد الحياة".
لم يشهد التاريخ قائدا, أو سلطاناً تعرض لظلم بحجم الظلم, الذي وقع على السلطان عبدالحميد الثاني, فقد رفض كل اغراءات الصهاينة من أجل منح فلسطين لليهود, وكان رده بإصدار قرار سلطاني بوقف الهجرة اليهودية الى فلسطين, فقد رفع شعارات تعبر عن ضمير ووجدان الأمة, واتخذ مواقف في وجه الاطماع الاستعمارية, التقت تماما مع ما رفعه الشريف الحسين بن علي من شعارات, ومواقف في الفترة ذاتها, دفعته لإعلان الثورة العربية الكبرى من أجل الحرية والحياة الفضلى.
عظماء المرحلة الصعبة
القائدان الشريف الحسين بن علي, والسلطان عبد الحميد الثاني عاصرا مرحلة صعبة, تكالبت فيها على الأمة أنياب الطامعين, في الوقت الذي عانت فيه الأمة من ضعف أصاب بناها العسكرية والاقتصادية والثقافية, وأخذ الطامعون ينهشون في جسم الامبراطورية العثمانية, محاولين وأد أية محاولة لبعث الأمة, فأي بعث للأمة يهدد أهدافهم الاستعمارية في المنطقة, الساعية إلى التمهيد لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين, التي تمثل قلب المنطقة بين آسيا وافريقيا, وهو المشروع الذي ناهضه بشراسة كلا الزعمين.
تعددت المراجع التي تناولت السلطان عبدالحميد, سارت هذه المراجع باتجاهين:
الأول موضوعي, وهو الذي تناول حقائق حياة, وحقبة حكم السلطان عبدالحميد, وترجمة لحياته, بناء على المشاهدات القريبة والعلاقات المباشرة, والثاني خلافي, يستند الى منهج كتبه أولئك, الذين يخدمون اتجاهات تلتقي مع غايات واجندات منظمات و/ أو جماعات و/ أو دول لم تكن على وفاق مع السلطان عبدالحميد, بسبب تضارب المصالح, خاصة ما يتعلق بالمسألة الشرقية والهجرة اليهودية إلى فلسطين والأقليات العرقية.
مؤامرات في الخفاء
يمكن لنا هنا أن نحصي أكثر من خمسين مرجعا مختلفا بلغات مختلفة عن تاريخ السلطان عبدالحميد, توزعت بين الاتجاهين أعلاه, بعضها انطلق لخدمة أعداء السلطان, لتبرير خلعه بموجب الفتوى التي وضعها "حمدي افندي", التي شكلت بداية الحملة ضد السلطان عبدالحميد. وكما هي العادة إثر تغيير أي نظام حكم بالقوة, وتبديل شكل الإدارة, يقوم بعض مؤيدي الحكم الجديد بشن حملات تشنيع ضد رجال الحكم السابق, متجاوزا حدود العدل والانصاف, وهو ما حدث بالضبط بعد خلع السلطان عبدالحميد, فقد أُلقيت عليه تبعات أخطاء كثيرة, وأُلصقت به العديد من الاتهامات, بدأت الحملة ضد السلطان عبدالحميد, فور صدور فتوى "حمدي أفندي" بخلعه, ففي هذه الفتوى ذكر "حمدي أفندي" افتراءات واتهامات كثيرة, إذ ذكر فيها ان السلطان عبدالحميد حذف بعض المسائل الشرعية المهمة من كتب الشريعة. وأنه مزق هذه الكتب وأحرقها, وحرَّض على فتنة كادت تقلب خزانة الدولة رأسا على عقب, وأنه كان سببا في مقاتلة الناس بعضهم بعضا.. إلخ.
لم يسلم السلطان عبدالحميد من اساءات بعض افراد حاشيته, كما حدث حينما أوقع "الشيخ الصيادي" بين السلطان والمفكر جمال الدين الافغاني, عندما كان الأخير في ضيافة الأول.
ثلاثة سلاطين في سنة واحدة:
تولى السلطان عبد الحميد الثاني الخلافة, في 11 شعبان 1293ه¯, الموافق 31 آب 1876م, بعد خليفتين في السنة ذاتها, الاول السلطان عبدالعزيز, الذي تعرض لمؤامرة اطاحت به, بسبب الازمة المالية, التي كانت البلاد تعاني منها, فقد اتهمه خصومه بالتبذير, اعتلى العرش بعده مراد الخامس شقيق عبد الحميد, ليكون السلطان الجديد, إلا انه عُزل بعد ثلاثة أشهر, فتولى الحكم بعده عبد الحميد, فوافق العثمانيين الجدد على تحرير السياسات الاقتصادية والسياسية.
عبدالحميد الخليفة والحاكم
من آب 1876م الى 27 نيسان 1909م
قاد السلطنة العثمانية في فترة وصلت فيها البلاد إلى أدنى مستوى في العيش والاقتصاد, فمديونيتها تجاوزت 300مليون ليرة, وعانت البلاد من التعصب القومي, وظهور الجمعيات المدعومة من الخارج, التي سعت الى تقويض سلطة السلطان, والظهور القوي لسلطة "يهود الدونمة" في الباب العالي, ولاحت بوادر التمهيد لانقلاب قادم. حاول السلطان عبدالحميد النهوض بالبلاد التي لقبت حينها في الغرب برجل أوروبا المريض.
الشريف والسلطان واليهود
عانى السلطان عبدالحميد من قيادات الباب العالي كثيراً, فقد انتشرت الرشوة والخيانات, ولعب "يهود الدونمة", الذين ظهروا بمظهر الإسلام, دورا قذرا في الإساءة إلى السلطان, بسبب مواقفه الثابتة من رفض الهجرة اليهودية إلى فلسطين, أو اعطاء أي امتيازات لهم, واتفق بذلك مع مواقف الشريف الحسين بن علي فيما بعد في عامي 1915 و1916م, فقد رفض الشريف الحسين منح فلسطين لليهود, وقاوم ضغوط بريطانيا العظمى, وخسر في سبيل فلسطين والقدس عرشه في الحجاز, ولم يقبل أن يساوم على أرض العرب, فاتفقت اسباب خلعهما ونفيهما وتشابهت فصول نهايتهما.
فصول حكاية السلطان عبدالحميد مع اليهود بدأت بعد انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في (بازل) بسويسرا عام 1315ه¯, 1897م, برئاسة ثيودور هرتزل (1860م-1904م) رئيس الجمعية الصهيونية, واختيارهم فلسطين لتكون هي الوطن القومي لليهود, وبدأ هرتزل باتصالاته مع السلطان عبدالحميد باعتبار ان فلسطين من املاك الدولة العثمانية, ليسمح بالهجرة اليهودية إليها, ففشل في كل اتصالاته, فقام بزيارة شخصية الى السلطان عبدالحميد ومعه الحاخام موسى ليفي, وعمانيول قره صو رئيس الجالية اليهودية في "سالونيك", وقدم كل الاغراءات لانقاذ الدولة العثمانية من ديونها, وتقديم مبلغ خمسة ملايين ليرة عثمانية لشخص السلطان, وعقد تحالفات سياسية ووقف الحملات الدعائية ضده, لكن السلطان عبدالحميد اجابهم بقسوة قائلا : "إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا فلن أقبل, إن أرض فلسطين ليست ملكي إنما هى ملك الأمة الاسلامية, و ما حصل عليه المسلمون بدمائهم لا يمكن أن يباع, وربما إذا تفتت إمبراطوريتي يوما, يمكنكم أن تحصلوا على فلسطين دون مقابل.
أصدر السلطان عبدالحميد امرا بمنع الهجرة اليهودية الى فلسطين, ووجه بيانا الى اليهود تاليا نصه مع صورة عن الاصل:
"انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع, فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين, فهي ليست ملك يميني, بل ملك الأمة الإسلامية, ولقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه, فليحتفظ اليهود بملايينهم, وإذا مزقت دولة الخلافة يوما فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن, أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من دولة الخلافة, وهذا أمر لا يكون, إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة.
السلطان عبد الحميد الثاني أستانبول 1901م".