طبيبات جرَّاحات.. حينما تُمسك الانامل الرقيقة مبضع النطاسي

شارك

13 اردنية يتحدين الصعاب ويرسمن قصص نجاح داخل غرف العمليات

 

لم تكن طالبة التوجيهي نور الشرباصي تتطلع لدراسة الطب, فقد رسخ في ذهنها حينذاك ان تدرس الاخراج التلفزيوني, فالتلفزيون كان قد احكم قبضته على وجدانها واخذ خيالاتها بعيدا الى عوالمه الساحرة, لكن جهدها المميز ونجاحها الباهر في الثانوية العامة, حينما احتلت المرتبة الاولى في كل محافظات الجنوب كانا خصمها اللدود, فقد وجدت الهيئة الاجتماعية التي تنتمي اليها من اسرتها واقاربها والاصدقاء والمعارف والجيران انه لا يجوز على من تُبرِّز بين زملائها في امتحان الثانوية العامة وتحصل على معدل 95% ان يدرس غير الطب او الهندسة بالحد الادنى.

تقول طبيبة اليوم نور الشرباصي انها بالمصادفة البحت وجدت نفسها طالبة في كلية طب الجامعة الاردنية ولكنها مع الوقت, خاصة بعد السنة الرابعة, حينما درست مساق الجراحة العامة, اخذت تحب انها ستصبح طبيبة وصحيح انها قبل السنة الرابعة كانت كدأبها دائما مجدة ومجتهدة في دروسها, لكنها بعد دخولها اول غرفة عمليات وتعرفها عن كثب على عالم الجراحة الساحر, اخذت تحث الخطى مسرعة نحو الانتهاء من دراسة الطب لتتخصص فيما بعد بالجراحة, فانهت دراسة البكالوريوس بتقدير جيد جدا.

د. نور جرَّاحة اليوم وجدت ما كانت قد فقدته بعدم دراستها في كلية الفنون الجميلة كما كانت تحب في عالم الجراحة, فالجراحة تحتاج الى لمسة فنية كما الرسم والعزف والتمثيل والاخراج والغناء, فالجرَّاحون من دون مهارات يدوية وبصرية خاصة لا ينجحون, ومن دون تطوير مهاراتهم لا يتطورون, وهو ما تتفق معها فيه د. سناء الحموري, وطبيبات جرَّاحات اخريات, فحسب الحموري تحتاج الجراحة الى عين صقر وقلب اسد وانامل امرأة رقيقة وهو ما يتوفر لديها ولدى كل الجرَّاحات في الاردن وفي العالم اجمع, فمن دون هذه الصفات لا يمكن لاي جرَّاح ان ينجح, امرأة كانت ام رجلا على السواء.

13 جرَّاحة اردنية

من بين آلاف الاطباء الجرَّاحين الاردنيين ذكورا واناثا لا يوجد سوى 13 طبيبة جرَّاحة فقط, فما الذي  يدفع الطبيبات للاحجام عن الالتحاق ببرامج التخصص بالجراحة بانواعها كافة?

هل الجراحة مهنة لا تطاوع سوى الذكور? وهل الطبيبات الجرَّاحات نساء يختلفن عن غيرهن من النساء? هل فقدن رقتهن من كثرة ما رأين من دماء? هل تأثرت انوثتهن من شدة ما واجهن من صعاب ومشاكل?

اسئلة كثيرة حملتها »العرب اليوم« وتوجهت بها الى طبيبات جرَّاحات فحاولت الاتصال بكل اسماء الطبيبات الجرَّاحات المدرجة اسماؤهن في جدول المسجلات في نقابة الاطباء, وهن حسب الحروف الابجدية وليس حسب الخبرة بارقة عواملة, ودانا المهتدي, وديانا الربضي, وغادة النمري, وحنان الريحاني, ولميس عربيات, ولارا ابو غزالة, ونسيبة عويضة, وسما الزبدة, وسناء الحموري, ووفاء بشناق, ونور الشرباصي, فاستجابت ثلاث منهن هن سناء الحموري ونور الشرباصي وثالثة فضلت عدم ذكر اسمها لاسباب خاصة.

البدايات

في ستينيات القرن الماضي بدأ مدير الخدمات الطبية الاسبق جراح القلب المشهور تلمس طريقه نحو عالم الجراحة, فوجد بالطبيبة الجرَّاحة نرمين جميل التوتنجي خير معين, فحسب ما قالته الطبيبة الجرَّاحة التي فضلت عدم ذكر اسمها يردد د. حنانيا دائما انه يكن كل التقدير والاحترام لاول جرَّاحة في الاردن نرمين التوتنجي, لما قدمته من مساعدة والتوتنجي اليوم تعيش في الولايات المتحدة الامريكية بعد ان تقاعدت.

الثمانينيات

ما ان بدأ عقد الثمانينيات او كان على وشك ان يبدأ حتى لحقت بالتوتنجي في برامج تخصص الجراحة العامة طبيبات اخريات, لعل من اولهن د. بارقة عواملة التي تعمل اليوم في مستشفى الجامعة الاردنية وتعد من اكثر الجرَّاحات الاردنيات مع زميلتها د. حنان الريحاني حسب الجرَّاحة التي فضلت عدم ذكر اسمها شهرة, والريحاني تعمل اليوم في القطاع الخاص بعد ان تقاعدت من الخدمات الطبية الملكية برتبة عميد, وكانت د. سناء الحموري بدأت تتلمس عالم الجراحة, لكن في المملكة العربية السعودية حيث كانت تعمل من ثم اخذت زميلات اخريات يدخلن غرف العمليات للتعاطي مع مفردات الجراحة, وهكذا دواليك الى ان اصبح عددهن 13 جرَّاحة, يعمل منهن اثنتان في القطاع الخاص هن الحموري والريحاني واثنتان في مستشفى الجامعة الاردنية هما عواملة والشرباصي وواحدة في مستشفى البشير هي غادة النمري, واثنتان في الخدمات الطبية الملكية هما لميس عربيات ولارا ابو غزالة, وواحدة تعمل في السعودية هي نسيبة عويضة, وواحدة في الامارات العربية المتحدة وهي سما الزبدة, وواحدة في بريطانيا للتخصص الدقيق وهي وفاء ابو محفوظ, وثلاث جرَّاحات لم تتمكن »العرب اليوم« من معرفة اين يعملن اليوم.

تخدير موضعي

د. شرباصي تقول ان غالبية الناس يعتقدون ان الجراحة تحتاج الى قوة عضلية كبيرة, وهذا اعتقاد خاطئ فاكثر ما يحتاجه الجرَّاح التركيز الذهني, والمعرفة العلمية بتفاصيل جسم الانسان, وآلية عمل الاعضاء والكيمياء الحيوية وعلوم طبية اخرى, واحيانا تكون للقوة العضلية نتائج عكسية وشرباصي غالبا ما تواجه مفارقات عجيبة مع مرضاها واسرهم فشكلها لا يوحي بانها طبيبة, فما بالك بالجراحة, وكثير من مرضاها لا يصدقون ان هذه الفتاة التي تجلس او تقف امامهم تستطيع الاقتراب من غرفة العمليات فما بالك بالامساك بالمبضع والتعاطي مع مفردات الجراحة.

مريضة كبيرة بالسن رفضت تسليم نفسها للدكتورة شرباصي حينما رأتها اول مرة, واصرت على ان تختار طبيبا جرَّاحا بدلا منها, لكن تم تذليل هذه المعضلة, ووافقت المريضة على اجراء العملية الجراحية بيد د. شرباصي وحينما جاءت لحظة دخول غرفة العمليات قالت المريضة انها تعتقد ان طبيبا جراحا ماهرا سيقوم باجراء العملية الجراحية, فما ان تذهب في غيبوبة البنج تخرج د. شرباصي من العملية ويدخل الطبيب الجرَّاح, لان من تقف امامها لا يمكن لها ان تذبح دجاجة فما بالك باجراء عملية جراحية, فتدخلت د. شرباصي واقترحت على المريضة وعلى اسرتها اجراء العملية ببنج جزئي, اي ان تجري العملية والمريضة بكامل ادراكها فوافقوا, وبالفعل اقتنعت المريضة في نهاية المطاف بان من اجرى العملية الجراحية لها هي امرأة رقيقة تدعى د. نور الشرباصي.

20 عاما من الخجل

د. الحموري تعتقد ان وجود طبيبات جرَّاحات يحل كثيرا من المشاكل الطبية الخاصة بمريضات يرفضن عرض انفسهن على جراحين من الذكور, خاصة اذا كان الامر يتعلق بالحاجة لتدخل جراحي في مناطق حساسة لدى الانثى, مثل جراحات الثدي والقناة الشرجية, وتقول ان مريضة تعاني من وجود باسور في قناتها الشرجية لمدة تزيد على العشرين عاما, فقد ظلت ترفض عرض نفسها على طبيب من الذكور, وما ان عرفت بان د. الحموري طبيبة جرَّاحة راجعتها في عيادتها وكانت حالتها متقدمة وجد سيئة, وبالفعل اجرت لها جراحة استأصلت فيها الباسور وشفيت المريضة.

الخلاصة

د. الحموري التي انتقلت للعمل من السعودية الى الاردن عام 1995 وكانت اول طبيبة جراحة تعمل في مستشفى البشير, تقول ان مهنة الطبيب الجرَّاح صعبة وتحتاج الى مواصفات خاصة من الرجال والنساء على السواء, وهي تنصح اي طبيبة ترى في نفسها الجرأة والرغبة والقدرة على التحمل والصبر ان تلتحق ببرامج التخصص بالجراحة, ومن واقع تجربتها تستطيع المرأة الجمع بين متطلبات العمل بمهنة الجراحة والمتطلبات الاجتماعية الخاصة بالاسرة وتتفق معها في ذلك د. شرباصي وتقول انها ام لثلاثة اطفال وتستطيع التوفيق بين حاجات اسرتها ومتطلبات عملها, وصحيح ان زوجها بوصفه جراحا متفهم جدا لشروط عمل زوجته ويقدم لها المساعدة والاسناد اللازم لكنها تبذل قصارى جهدها لئلا تهمل اسرتها وتعمل باجتهاد لتطوير مهاراتها في الجراحة خاصة انها التحقت قبل ستة شهور ببرنامج جراحة الاورام, ومدة هذا البرنامج 5 سنوات.